تطور الصراع في ليبيا ينذر بحرب أهلية

بدأت المعارك في ليبيا تأخذ منحنى آخر، فبعد أن كان الصراع يدور بين القوات النظامية والجماعات الإرهابية المسلحة، انتقل إلى الاقتتال بين الجيش الليبي الشرعي وبين القوات التابعة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًا، ما ينذر بقرب اشتعال الحرب الأهلية وغلق جميع الأبواب أمام مشروع الاتفاق السياسي.

وما زاد الوضع سوءًا هو ما تداوله البعض مؤخرًا عن إمكانية التدخل الدولي، الذي من شأنه أن يعمق الأزمة ويزيد من تأزيم الأوضاع في البلاد المهددة بالانزلاق نحو مزيد من الفوضى.

رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة، فايز السراج، طالب المجتمع الدولي بضرورة “التدخل العاجل لوقف تدهور الأوضاع في جنوب ليبيا، ففي خطاب وجهة السراج إلى كل من أمين عام جامعة الدول العربية، وأمين عام منظمة التعاون الإسلامي، ورئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، وأمين عام الأمم المتحدة، طالب بالتدخل لوقف “ما يهدد ما تحقق على طريق المصالحة الوطنية وتحقيق الاستقرار في ليبيا”، مضيفًا أن “التصعيد العسكري المفاجئ وغير المبرر الذي بدأ بشن هجوم بالمدفعية الثقيلة والطيران على قاعدة تمنهنت هذه الأيام يضع البلاد على حافة حرب أهلية نعمل وكل المخلصين للوطن على تجنبها”.

لكن ردة الفعل إزاء هذه التطورات كانت واسعة، حيث عبر نائب رئيس المجلس الرئاسي علي القطراني، عن رفضه لما قام به السراج من دعوة المجتمع الدولي للتدخل في الجنوب، محذرا من استغلال ذلك كذريعة للتدخل العسكري الذي سيزيد المشهد تعقيدا، مشيرًا إلى أن المجلس الرئاسي يحاول جاهدا خلط الأوراق لضرب أي مساع من شأنها تعديل الاتفاق السياسي وتغيير تشكيل المجلس، مؤكدا على الوقوف خلف الجيش الليبي الذي يحارب الجماعات الإرهابية، وداعيا جميع الليبيين إلى الوقوف صفا واحدا لمواجهة الإرهاب والتدخل الخارجي في شؤون البلاد، كما أعلن مجلس النواب هو الآخر عن رفضه للدعوة، معتبرا أنها دعوة “تخدم مصلحة الميليشيات المسلحة وعصابات التهريب والمرتزقة الأجانب والجماعات المتطرفة”.

كان محيط قاعدة تمنهنت قد شهد الأسبوع الماضي اشتباكات بين الجيش الليبي وحكومة الوفاق، وقالت أوساط إعلامية ليبية إن الاشتباكات تجددت الأحد في محيط القاعدة الجوية بعد انتهاء فترة الهدنة المبرمة بالجنوب.

وتعتبر قاعدة تمنهنت الجوية، هي ثاني أكبر قواعد جنوب البلاد العسكرية بعد قاعدة الجفرة، إذ تحتوي على مطار لتسيير حركة النقل الجوية المدنية، بالإضافة إلى منشآت عسكرية ومخازن، وتقع على مقربة من مدينة سبها أكبر مدن الجنوب الليبي.

ويري مراقبون أن المشهد يوضح فقدان السراج للسيطرة على وزارة الدفاع في حكومة الوفاق لاسيما بعد مطالبته بالتدخل الخارجي دون إعطاء أمر لقواته بوقف إطلاق النار، حيث أكدت بوابة إفريقيا الإخبارية المتخصصة في الشأن الليبي، أن المجلس الرئاسي فقد كل أوراقه ليستخدم الورقة التي يمكن القول إنه يمتلكها، الممثلة في الدعم الدولي له، وقال الباحث الليبي في مركز رفيق الحريري للشرق الأوسط محمد الجراح، أن “السراج يحاول استخدام ورقة القوة الوحيدة التي يمكن أن نقول إنها ولو جزئيا بحوزته.. الدعم والاعتراف الدولي”.

وتساءل رفيق عبر تدوينة على الفيس بوك، حول إمكانية أن يكون النداء الذي وجهه رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق فايز السراج، إلى المجتمع الدولي، عشية السبت، دليلا على أنه بالفعل فقد السيطرة، مشيرًا إلى أن دعوة السراج الأخيرة تعتبر “إخلاء لمسؤوليته أمام المجتمع الدولي”.

واعتبر كثير من السياسيين في ليبيا وعلى رأسهم قوى تابعة للبرلمان الليبي أن دخول المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق على خط المواجهات المسلحة يعد انزلاقا نحو الفوضى وينذر باقتراب نهاية مشروع الاتفاق السياسي برمته والعودة إلى مربع الاقتتال والوصول إلى مرحلة الحرب الأهلية.

وكان السكرتير العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريس، قد حذر من احتمال تدهور الوضع في ليبيا من جديد بسبب انتشار عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي، معربا عن قلقه إزاء التصعيد الجديد للأعمال العدائية في ليبيا والغموض السياسي السائد فيها، مشيرًا إلى احتمال تصاعد الصراع بسبب عدم حل القضايا السياسية “وتعدد العناصر المسلحة على الأرض بأجندات صراع متضاربة”، وجدّد جوتيريس دعمه للمجلس الرئاسي الليبي، قائلا إن الاتفاق السياسي الموقّع عام 2015، لا يزال يحظى بدعم قطاع واسع من الليبيين ومن الدول المعنية.

ويتخوف كثيرون من أن يمثل الواقع الليبي المشحون وانسداد الأفق السياسي وتواصل التصعيد العسكري، دافع لإمكانية تدخل خارجي عسكري في بلد مترامي الأطراف تنتشر فيه الأسلحة، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من الفوضى ويعصف بالوضع الإقليمي ككل.