تصريحات عسيري محاولة سعودية لتوريط مصر في المستنقع اليمني

بعد مرور أكثر من عامين على العدوان السعودي في اليمن، تلطخت خلالهم يد السعودية بالدماء، ومنيت بهزائم مدوية يشوبها الخزي والعار، وأصبحت متورطة في جرائم حرب أمام المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية والإنسانية، تسعى حاليًا المملكة العربية إلى توريط مصر سياسيًّا وشعبيًّا في هذه الحرب المتهورة؛ حتى لا تكون وحيدة في المستنقع اليمني.

قبل أيام قليلة زعم المتحدث باسم قوات التحالف السعودي في اليمن، اللواء أحمد عسيري، أن الرئيس عبد الفتاح السيسي عرض على الحكومة السعودية إرسال مصر من 30 إلى 40 ألف جندي كقوات برية في حرب اليمن الجارية، وأضاف أن السعودية رفضت هذا العرض لأن منهجية العمل في اليمن تؤكد عدم دخول أي قوات برية غير يمنية على الأرض اليمنية، منوهًا إلى أن «مصر تشارك من خلال قوات جوية وبحرية».

على الجانب الآخر، نفى مصدر محلي مطلع من الرئاسة عرض القاهرة سابقًا على السعودية إرسال 40 ألف جندي إلى اليمن، وقال المصدر: سبب خلاف القاهرة مع السعودية هو رفضنا إرسال قوات برية إلى اليمن، وذكر المصدر أن ما تردد على لسان اللواء احمد عسيري حول إرسال قوات مصرية إلى اليمن لم يحدث نهائيًّا.

وأضاف أن إرسال قوات في مهمة خارج الحدود تشترط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، مشيرًا إلى أن الموافقة كانت على المشاركة في قوات جوية وبحرية وليس قوات برية، ولفت المصدر إلى «أننا نشعر بالدهشة من توقيت تصريحات عسيري بعد لقاء السيسي الملك سلمان، وزيارته المتوقعة للرياض قريبًا»، مشيرًا إلى أن تصريح عسيري يأتي في إطار تصفية الخلافات المتراكمة بين البلدين في الشهور الأخيرة، لافتًا إلى أن تصريحاته جاءت على خلفية ملفات كجزيرتي تيران وصنافير وسوريا ودور الإسلام السياسي بالمنطقة.

النفي المصري الذي قابل تصريحات عسيري، دفع الأخير إلى التراجع عن تصريحاته المثيرة للجدل، حيث قال المتحدث باسم قوات التحالف السعودي في اليمن، إنّ ما سبق أن تحدث عنه كان في ضوء ما طرح سابقًا من قِبَل مصر خلال بحث مقترح تشكيل القوة العربية المشتركة، الذي تمت مناقشته في جامعة الدول العربية، والذي أتى من منطلق حرص مصر على أن أمن الأمة العربية كل لا يتجزأ، وليس له علاقة بموضوع المشاركة في اليمن، وأضاف عسيري: كما تعلمون أن هناك عناصر من القوات المسلحة المصرية تقوم بمهام تأمينية لمنطقة جنوب البحر الأحمر وباب المندب، والتي تعد من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية للأمن القومي المصري والعربي والإقليمي على حد سواء.

يبدو أن السخط السعودي على مصر لايزال مستمرًّا، والخلافات بين الطرفين لم تنته في القمة العربية الأخيرة التي عُقدت في الأردن وتضمنت لقاءً بين الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، والرئيس عبد الفتاح السيسي، فمازالت السعودية تخطط وتدبر للمؤامرة على مصر وتوريطها في حروب الشرق الأوسط التي تدعمها وتتدخل فيها المملكة دون حساب لتكلفتها بطريقة صحيحة، لتجد نفسها في النهاية متورطة بمفردها في هذه الحروب، فتحاول الاستنجاد ببعض الدول العربية من خلال الابتزاز المالي أو التصريحات التوريطية.

مشاركة مصر في العداون على اليمن، في حد ذاتها، ليست مفاجأة كشفها المتحدث باسم قوات التحالف السعودي، حيث انضمت القاهرة علانية إلى عملية «عاصفة الحزم» التي قادتها السعودية في اليمن في 26 مارس 2015، وحينها أكد السيسي أن المشاركة ستقتصر على قوات بحرية وجوية، وأضاف أنه في حال إرسال قوات أخرى سيتم الإعلان عن ذلك، وفي ذلك الوقت أكدت مصادر عسكرية مصرية أن القاهرة تشارك بقوات جوية إضافة إلى أربع بوارج بحرية فقط، وهي المشاركة التي لم ترض طموحات الرياض، واعتبرتها المملكة حينها مشاركة مصرية رمزية على استحياء، وكان هذا الموقف شرارة الأزمة والخلافات السعودية المصرية، ليأتي موقف القاهرة المخالف للرياض فيما يتعلق بالأزمة السورية، والذي قطع أحبال العلاقات التاريخية بين الطرفين، حيث أقدمت المملكة على قطع امدادات النفط إلى مصر، التي اتجهت بدورها ناحية العراق وإيران وروسيا، وهو المعسكر الذي تعتبره الرياض جبهة مُعادية لها.

رأى العديد من المراقبين أن تورط السعودية في العديد من الحروب والأزمات الإقليمية مؤخرًا قد دفعها للبحث عن شريك لها، حيث أصبحت مسألة تورط المملكة في دعم التنظيمات المسلحة الإرهابية في سوريا والعراق غير قابل للشك أو التأويل، كما أن عدوانها على اليمن المستمر من عامين لم تتمكن خلالهما من تحقيق أهدافها أو الحصول على أي مكاسب سياسية، بل منيت بالعديد من الخسائر، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو حتى الشعبي، دفعها إلى محاولة جر مصر لتخفيف أعباء هذه الحرب عن عاتقها، خاصة أنها لم تعد قادرة على العودة عن الطريق الذي سلكته، وفي الوقت ذاته لم تعد قادرة على استكماله.

الإدانات والاتهامات التي وجهتها المنظمات الدولية الحقوقية والإنسانية إلى السعودية مرارًا، والتي وصل بعضها إلى حد الاتهام بارتكاب جرائم حرب في اليمن، تعتبر أيضًا من الضغوطات التي لم تحسب المملكة حسابها قبل القيام بالمغامرة في الأراضي اليمنية، حيث اشتدت خلال الأشهر الأخيرة الضغوط الدولية على السعودية لوقف الحرب في اليمن، بعد الكشف عن استخدام التحالف السعودي أسلحة محرمة في إبادة الشعب اليمني وبنيته التحتية.