تصدعات كارثية

عقب كل تفجير يستهدف دارا للعبادة القبطية في مصر يسقط أبرياء ويزداد الشرخ الاجتماعي في مجتمع هو بالفعل يعاني من تصدعات تتضاعف يوما بعد يوم، تصدعات طبقية من جراء سياسات اقتصادية منحازة لكبار الأغنياء وتسحق بقسوة ملايين الفقراء فيزداد سخط هؤلاء الفقراء على المجتمع وليس فقط على الدولة التي تفقرهم، وتصدعات بين الأجيال، فنحن إزاء صراع حقيقي بين الشباب والكبار خاصة هؤلاء الذين ارتبطوا بحلم الثورة وآمال التغيير ثم سرعان ما استيقظوا على كوابيس اختطاف أحلامهم لأكثر من مرة وربما بنفس السبل.

وبين الآباء الذين يرون دائما في أبنائهم منتهى الشطط والتهور وعدم إدراك المخاطر التي تحاصر الوطن وكأنها سمة كل الحركات الشعبية الكبرى وما يعقبها من جدل من هذا النوع، تصدعات بين عناصر الوطن الواحد أو كما يقال – عنصرى الأمة – ورغم محاولات أبواق السلاطين في الأنظمة المتعاقبة منذ أنور السادات حتى الآن – إن يروجوا لما هو عكس ذلك من أن الأمور على مايرام وما يعكر الصفو هي تصرفات فردية إنما هي مجرد مسكنات ومبررات غير مقنعة لأحد، فمنذ أن قال السادات في خطابه الشهير تعليقا على أحداث الفتنة الطائفية بالزاوية الحمراء عام 1981 أن الحادث سببه “غسيل نقط على جاره” إلى آخر ما قاله الرئيس المؤمن حول رائحة الغسيل التى كانت “مش ولابد شويه”، منذ ذلك تحول التعامل مع قضايا المواطنة بذات المنهج السطحي دونما الخوض في أعماق الأزمة سواء كان عن عمد أو عن جهل.

ومن بين تلك التصدعات التي تهدد وحدة المجتمع المتماسك منذ آلاف السنين يبرز ملف المواطنة الذي يتصدر المشهد كل حين خاصة عقب أحداث الإرهاب التى تستهدف الكنائس والأقباط ليشعر ملايين الأقباط  أن تعاطي الدولة والمجتمع مع وجعهم ليس بالقدر المرضي لهم ويزداد الاحتقان مرة تلو الأخرى ولا عاقل في الدولة  يدرك أننا إذا استمر الحال على هذا النحو فهذا يعني أننا مقدمون على كارثة، وتشمر أبواق الحكومات عن ذراعيها وتنبري في تقديم مبررات ودوافع وإدانة للإرهاب الأسود الذي لا يعرف دينا والذي لا يعرف حدودا ويتوقف الأمر بعد أيام من العزاءات الجماعية والصور التذكارية والبرامج الحوارية ويعود كل منا إلى مكانه ويبقى الألم يعتصر من فقدوا ذويهم وأحبابهم إلى الأبد دونما حلول تخفف وطأة الفراق، وتبقي أصوات من استباحوا دماء غير المسلمين حرة طليقة وتحبس أصوات دعاة الدولة المدنية في حناجرهم، فمن أطلق فتوى عدم جواز تهنئة الأقباط في أعيادهم يظل يعيث بلا حساب، بينما من يحاول أن يقترب من مؤسسة الأزهر أو شيوخه يتهم بازدراء الأديان.

 

من وضع بدلا من صور مرشحاته النساء وردة من منطلق أنها عورة لا يزال يمارس التحريض سرا وعلنا على الأقباط والنساء وكل من يخالفه.

 

ربما يكون الاستبداد السياسي قاسي لكنه فى النهاية قد يودعك سجونه إذا اختلفت معه لكن الاستبداد باسم الله أكثر قسوة لأنه يودعك دار الكفر وما يترتب عليها من استحلال للدم إذا اختلفت معه لأنك في هذه الحالة تختلف مع الله عز وجل، فلنعترف أولا أن المناخ العام والوعي الجمعي ثار ملوثا ببعض الأفكار والتصورات الكارثية التي صنعتها الأصولية تجاه الحداثة بكل مفرداتها وتجاه المرأة والأقباط بشكل خاص.

تلك التصورات التي لم تكن من مكونات العقلية المصرية عبر تاريخها لكنها نتاج عاملين رئيسين هما تنامي جماعة الإخوان وانتشار النموذج الوهابي عقب حقبة السبعينيات في بلادنا، فلنعترف أن تصدعا يزداد ليس في علاقة الأقباط بالدولة فحسب، لكن الأخطر في علاقة المواطن بعضه بعضا “مسلميه ومسيحييه” تلك الثقافة التي تخلق بيئة حاضنة للإرهاب ونسقا مواتيا وربما محرضا عليه.

رغم كل التصدعات التي تهدد مصر فإن ذلك التصدع هو الأخطر ولا يحتمل التأجيل أكثر ويحتاج إلى معالجة فكرية وثقافية أكثر جذرية وليس فقط مواجهة أمنية وهى بالقطع هامة وضرورية.