تسريب ذاتي (حكاية بلحة-1)

(1)
اتصل بي عدة مرات، ثم ترك رسالة عاتبة نصها كالتالي: إيه اللي بيحصل ده؟.. أنا لازم أشوفك حالا، الموضوع خطير.

(2)
ابتسمت في سري، فأنا أعرفه كرجل مخلص ومسؤول كبير سابق، هو ليس صديقي تماما، وليس قريبي تماما، لكنه يعتبر نفسه كذلك وأكثر، وفي كثير من المواقف يعين نفسه كمستشار أمني، لا يتوقف دوره عند تقديم النصيحة، بل يقترب من الوصاية وإملاء التعليمات، واحتراما لمشاعره الطيبة تجاهي، كنت دائما أُمثِّل الاستجابة لطريقته الرسمية الجافة في توجيه النصائح وكأنها أوامر، لكنني في هذه المرة قررت تسريب الحوار الذي دار بيننا، لا لشيء سياسي أو شخصي، ولكن لما تضمنه الحوار من طرافة وخفة كوميدية، أشعر أننا نحتاجها بشدة للتسرية عن أنفسنا في أيام الطوارئ الملبدة بالغيوم والهموم.

(التسريب)
– إيه اللي انت عملته ده؟.. انت اتجننت؟.. ازاي تحرض على اغتيال سيادة الرئيس؟
* طيب وانت برضه تعرف عني كده؟
– لأ.. ما هو عشان كده استغربت وقلت انك اتجننت
* طيب ليه صدقت الشائعات، حتى قبل ما تتأكد وتعرف الحقيقة أو تسألني؟
– لأن الموضوع مش محتاج سؤال.. البلد كلها بتتكلم، ومش معقول الناس دي كلها تبقى غلط وانت الصح.. اسمعني كويس، أنا أفهم أكتر منك في الحاجات دي، انت في ورطة كبيرة، وقدامك حل من اتنين مالهمش تالت
* إيه الورطة؟.. وإيه الحلين؟
– الورطة انت عارفها؟!.. ما تلفش وتدور.. المرة دي غير كل مرة، يا أستاذ يا مثقف فيه حد يقف قدام القطر ويفكر إنه ممكن يمنعه من المرور؟.. هتقف قصاد دولة بأجهزتها.. انت إما مجنون أو عاوز تنتحر، ولازم تسمع الكلام اللي هقوله وتنفذ حل من الاتنين.. الحل الأولاني إنك تسيب البلد وتسافر في أي حتة، وأنا ممكن أساعدك في ترتيب شغلك وحياتك بره مصر
* مش هسيب مصر
– يبقى تلتزم بالحل التاني، وهو إنك تبطل معارضة في الفاضي، أو تتوقف عن الكتابة في السياسة نهائي..
* نهائي؟.. نهائي إزاي؟!
– مش بقول نهائي.. يعني إلى الأبد، لكن على الأقل لفترة.. نقول سنة كده
* لحد نهاية الانتخابات الرئاسية يعني.. دا إذا حصلت؟!
– ما بتكلمش عن الانتخابات.. أنا مش بقول الكلام ده لمصلحة حد، أنا مشغول عليك انت وعلى حياتك، وتهمني مصلحتك، وقصدي لحد ما الظروف ترجع طبيعية، والبلد تتحمل الأخذ والرد، والمعارضة والكلام ده، لكن في الوضع ده البلد لا تتحمل، وممكن رد الفعل يبقى خطير.. احنا في حالة حرب
*حرب؟.. حرب مع مين؟
– مع الإرهاب، ومع دول كتير بتتآمر على مصر، مش شايف أوضاع المنطقة حوالينا؟
* طيب والسنة دي أعمل فيها إيه، أنا كاتب ومش عاوز اشتغل شغلانة تانية؟
– أيوه يا جيمي عارف، ما تستعبطش عليّ، خليك كاتب زي ما بتحب.. بس الموضوعات كتير يا لورد، اكتب في أي موضوعات تانية
* زي إيه
– عندك السينما.. انت مش بتحب السينما وبتدوشنا بالكلام عن الأفلام الأجنبية، وزي الفن التشكيلي، وزي حلقات سعاد حسني، مالها سعاد حسني.. وقفت وماكملتهاش ليه؟
* عشان كنا هندخل بقى في قصص مخابرات ويسار وتجنيد ويسار ومعارضة و…
– لأ بلاش.. كويس انك وقفت، طيب ما تعمل زي صاحبك اللي بتحبه
* مين؟
– المخزنجي
* قصدك أكتب مقالات علمية يعني؟
– آه.. حاجة مهمة ومحترمة.. حلو الكلام ده.. خلينا في المقالات العلمية.. موافق؟
* موافق، وأنا كنت من فترة فعلا بفكر في مقال علمي
– روعة.. أيوه كده ربنا يهديك ويصلح حالك وحال البلد، هاه والمقال اللي كنت بتفكر فيه عبارة عن إيه؟
* ده مقال جميل ومفيد وبفكر في عنوان شعري كده يحبب الناس في المقالات العلمية
– إيه هوه العنوان ده؟
* حكاية بلحة
– إيه؟.. انت بتهزر؟، وللا بتسرح بيا؟، وللا مش ناوي تجيبها البر
* ليه خير؟.. إيه الغلط في المقال؟، وبعدين راجل عاقل ومحترم ومشهور بقدرته على ضبط النفس زيك، تنفعل كده بسبب مقال ما قريتش منه ولا كلمة؟
– ينظر الصديق القريب الكبير في وجهي بغضب ويحاول استعادة هدوئه باصطناع، ثم يقول لي بنبرة أقل حدة: عندك حق.. بس انت عمرك ما خليتني أقرأ مقال لك قبل النشر، وأنا المرة دي، ونظرا لخطورة الوضع، عاوز اشوف المقال ده قبل النشر في إيه، وده من منطلق معزتك عندي وخوفي عليك، وأرجوك تريح قلبي وتفهمني
* خلاص أوعدك المقال ده بالذات تقراه قبل النشر
– بس انت مصمم على العنوان ده؟
* عنوان إيه؟
– الكلمة اللي بتقول عليها دي
* كلمة إيه.. قصدك “حكاية”؟، بلاش منها.. نخليها “قصة”
– لأ يا أخي الكلمة التانية
* قصدك “بلحة”
– أيوه.. الكلمة دي ضرورية يعني؟
* مالها الكلمة؟، هي قبيحة وللا حاجة؟… عموما احنا اتفقنا نقرا قبل ما نهاجم ونتحامل على المقالات والكتاب لمجرد شائعات أو قراءة العناوين بس من غير فهم.
– عندك حق المرة دي.. هستنى المقال، بس توعدني انك مش هتنشره قبل ما أقراه ولو اعترضت عليه هتاخد برأيي.
* خلينا نشوف.. ده مقال مفيد، وهيعجبك خالص.
(تنويه)
انتظروا “حكاية بلحة” في مقال علمي سلمي خاضع لظروف الطوارئ.. اللهم بلغنا رمضان