تركيا في مهبِّ “التعديلات الدستورية”.. اعتقالات وانقسامات والجيش يتفكك!

تستعد تركيا لإستفتاءٍ شعبي على التعديلات الدستورية في 16 نيسان الجاري، في ظلِّ تطوراتٍ أمنية شهدتها الساحة التركية خلال الأشهر الأخيرة، استغلَّ فيها الرئيس التركي رجب الطيب اردوغان الانقلاب الفاشل، مجيرًا سلطته في وجه المعارضين لتلك التعديلات على اختلاف توجهاتهم السياسية، بما ان نسبة كبيرة من المعارضين، تنتمي الى حزب “العدالة والتنمية”، الى جانب الأحزاب المعارِضة الأخرى. فقد تزرّع اردوغان بالانقلاب الفاشل لإعلان حالة الطوارىء في تركيا، ليقوم بعدها بتقييد الحريات العامة لا سيما الإعلامية منها، تحت حجة مواجهة الإرهاب، ما أدى الى اعتقالات واسعة وتعسفية، طالت صحافيين وسياسيين معارضين لتلك التعديلات، في وقتٍ عملَ اردوغان، على تفتيت عناصر القوة في الجيش التركي، محولاً المؤسسة العسكرية الى “جُندٍ” تابعين له.

حالة الطوارىء تقيّد حملة “لا”.. وسلطة اردوغان تنتهك الدستور في الإطلالات الإعلامية:

وفي هذا السياق، تابعت دراسة أعدها حزب “الشعوب الديمقراطي” الموالي للاكراد، والمعارض بشدة للنظام الرئاسي، قناة الاخبار الرسمية، “تي. آر. تي. هابر”، منذ الاول من آذار الماضي وحتى 21 من الشهر نفسه. وكانت النتيجة: 1390 دقيقة من البث حول الرئاسة و2723 دقيقة حول حزب العدالة والتنمية. وعلى النقيض من ذلك، لم يكن هناك سوى 216 دقيقة من البث حول أكبر أحزاب المعارضة، وهو حزب الشعب الجمهوري، و48 دقيقة حول حزب الحركة القومية، الذي أجبر على أخذ خط أردوغان، من جانب زعيمه، دولت بهجلي. أما بالنسبة لحزب الشعوب الديمقراطي – القادر بالكاد على القيام بحملة في ظل احتجاز رئيسه والعديد من نوابه في البرلمان والكثير من أعضائه – فكانت النتيجة، “صفر” من دقائق التغطية التلفزيونية على المحطة الرسمية. والجدير ذكره، ان التفاوت الكبير بين المؤيدين للتعديلات الدستورية والمعارضين لها، يأتي على عكس مرسوم الطوارئ رقم 687، الذي سمحت الحكومة التركية بموجبه، للجنة الانتخابات بمعاقبة محطات البث الخاصة التي يشتبه في أنها تميز بين الأحزاب السياسية. في غضون ذلك، اشار النائب في البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري، سيزجين تانريكولو، الى أن ما يحدث هو نتيجة للظروف الاستقطابية، التي يغذيها أردوغان. واضاف تانريكولو، “إننا نتعرض لضغط كبير”، موضحًا انه “لم تعلن الحكومة صراحة أن أي شخص سيصوت بـ”لا” هو إرهابي، إلا أنها أكدت أن جميع “الارهابيين” سيصوتون بـ”لا، معتبرًا انه “من الممكن أن يكون مجرد الاشتباه في العمل مع إرهابيين أمرًا خطيرًا، في ظل حالة الطوارئ، حيث من الممكن أن تحتجز الشرطة المشتبه بهم لمدة تصل إلى 14 يومًا”.

الى ذلك، أكدت منظمة “هيومان رايتس ووتش”، ان حالة الطوارئ تقيد من عمل الحملة. فعلى سبيل المثال، تمكنت الحكومة بموجب قوانين الطوارئ، من أن تقوم ببساطة بأن تحل إداريين معينين من جانب الدولة محل رؤساء أكثر من 82 بلدية ذات أغلبية كردية، وتحديدًا في الوقت الذي كان يقوم فيه ممثلون سياسيون منتخبون بصورة ديمقراطية، بالاستعداد للترويج لحملة “لا”، وأشارت المنظمة إلى أنه “تم إبعادهم عن الطريق”. الى جانب ذلك، فإنه فى ظل حالة الطوارئ، تم تقييد حرية التجمع، واعتقال أكثر من 1400 مسؤول فى حزب الشعوب الديمقراطي، وفقًا للمنظمة. في وقتٍ يفتقد معسكر “لا” غير المنسق والمنقسم، زعيم حزب الشعوب الديمقراطي المسجون حاليا، صلاح الدين ديميرتاش، وهو أكبر منتقد لأردوغان، في حين وعدت الحكومة معارضي الإصلاح الرئاسي بحملة عادلة.

التعديلات الدستورية تضعف المؤسسة العسكرية.. “جُند اردوغان” بديلاً عن الجيش:

في موازاة ذلك، حذر معهد دراسات “الأمن القومي” الإسرائيلي (INSS)، التابع لجامعة “تل أبيب”، من تصفية المؤسسة العسكرية التركية، واستبدالها بمن أسماهم المعهد بـ”جند أردوغان”. وأشار المعهد في دراسة سيتم نشرها بالكامل خلال شهر نيسان الحالي، الى ان أردوغان نجح في إضعاف هيمنة المؤسسة العسكرية على الحياة السياسية في البلاد، من خلال ملاحقة ابرز قيادات الجيش بتهمة التخطيط للانقلاب، وإجراء تعديلات دستورية قيدت من سلطة ونفوذ المؤسسة العسكرية. وشددت الدراسة على انه في اعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، اعتلقت السلطات التركية عشرات الآلاف من الجنود، كما تم اعتقال عدد كبير من قيادات المؤسسة العسكرية، بما تسبب بخلل كبير في منظومة الجيش وأضعف بنيته التنظيمية والقتالية بصورة كبيرة، ما يمهد الطريق لخلايا جند اردوغان ليحلوا محل الجيش عند أول اختبار حقيقي يظهر فيه ضعف ووهن المؤسسة العريقة. الدراسة أكدت أنّ خلايا اردوغان تنتشر في مناطق جورم، توقات، وميرزفون، حيث تتلقى ميليشيات اردوغان تدريبات عسكرية احترافية. وبرز دور الخلايا العسكرية في الصراع الاخير الذي افتعله الرئيس التركي مع دول أوروبية على خلفية منع تجمعات سياسية للجالية التركية في ألمانيا وهولندا. ولا تستبعد الدراسة بهذا السياق، أن يكون لـ”خلايا اردوغان يد في الاحداث الارهابية التي ضربت فرنسا وبريطانيا، خاصةً أنها تزامنت مع اعلان باريس ولندن تضامنهما مع ألمانيا وهولندا.

حزب “العدالة والتنمية” مهدد بالانقسام..استقالات واسعة على خلفية التعديلات الدستورية:

على صعيدٍ متصل، أشارت الدراسة، الى أنّ الاستفتاء لن يحدد مستقبل تركيا فقط، بل سيكون نقطة تحول في مستقبل اردوغان السياسي. وكلّما اقترب موعد التصويت، كلما اتسعت دائرة المعارضة للتعديلات الدستورية حتى وصلت إلى عقر بيت اردوغان السياسي -أي حزب العدالة والتنمية- حيث اعلن نحو 300 عضو في الحزب استقالتهم تعبيرًا عن رفضهم للتعديلات، فيما يبدي كل من الرئيس التركي السابق عبدالله غول، ورئيس الوزراء السابق احمد داوود أوغلو معارضة خجولة، تجلت في عدم تلبيتهما لقاء دعا له رئيس الوزراء الحالي بن علي يلدرم لحشد التأييد للتعديلات. واتخذت المعارضة للتعديلات الدستورية، أشكالًا وأدوات مختلفة وغير تقليدية، إذ بالاضافة للمواقف والتصريحات المعلنة، يشن “هاكرز” اتراك هجومًا على مواقع حكومية وقاموا باختراقها ونشر كلمة (لا)، في حين تحصل تلك الإختراقات بشكلٍ شبه يومي، فيما اتسمت المعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي بالجرأة رغم القيود التي تفرضها السلطات التركية على وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. وتتباين دوافع الأحزاب والشخصيات المعارضة الاستفتاء، فثمة من يخشى من أن تساهم التعديلات في تحويل تركيا إلى دولة شمولية بعد استحواذ الرئيس على جميع السلطات، فيما يرى آخرون أن الاستفتاء سيقود تركيا إلى زمن الخلافة العثمانية التي لم يبقَ منها في الذاكرة التركية سوى السجون والمعتقلات والاستبداد.