تحليل| الأردوغانية تقسم تركيا

 

“نتيجة الاستفتاء تقول أن الشعب التركي منقسم. وما يحول التقارب بين نسبة المصوتين بنعم ونسبة المصوتين بلا من عملية تصويتية إلى عملية إقصاء هي تصريحات أردوغان التي هاجم فيها بأثر رجعي من صوتوا بلا، بل وهددهم قبل الاستفتاء بأنهم لن يكونوا متساويين بالذين سيقولون نعم. هذا مع حالة الطوارئ وشبهة التزوير وتذمر الأحزاب الرئيسية وشكوكها في نزاهة الاستفتاء، وتحفز وتربص مسئولي الحرية والعدالة بعد النتيجة وكأنها نصر حربي، تنقله من عملية ديمقراطية إلى استئثار بالحكم بشكل يقارب الديكتاتورية المُجملة بصناديق انتخابية. في الواقع لا أرى اختلاف  بين تداعيات الانقلابات العسكرية في تركيا الحديثة وبين ما حدث قبل وبعد الاستفتاء سوى أن تلك الانقلابات تمت بقوة السلاح بشكل مباشر وهذا الاستفتاء تم بقوة الإجراءات القمعية في الجامعات والإعلام والقضاء والمجتمع المدني وغيرها من المؤسسات في تركيا، بالإضافة لحالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية التي سبقته في الشهور التي تلت محاولة الانقلاب في يوليو الماضي”.

السطور السابقة ملخص للجزء الأكبر من مداخلة الباحثة ومديرة مركز الشرق الأوسط للدراسات التركية، والأستاذة بجامعة جورج واشنطن، في جلسة نقاشية نظمها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ضمت عدداً من الخبراء والباحثين المهتمين بالشأن التركي، وحملت تغطيتها عنوان “السلطان الجديد“. والتي تُعد أهم ما جاء في سياق ردود الفعل على نتيجة الاستفتاء على تعديل الدستور التركي أمس الأول، على مستوى الدوائر البحثية والأكاديمية. فنتيجة الاستفتاء التي أتت بنسب متقاربة – 51%نعم و49% لا- لا تتعلق فقط بتمرير تعديلات على الدستور التركي خاصة بإعادة توزيع وتخصيص صلاحيات الحكم بين مؤسسات السلطات التركية، ولكنها تغير نظام الحكم بشكل جذري من برلماني إلى رئاسي.

الأمر الأهم من السابق هو أن أردوغان نجح عبر آليات “ديمقراطية” بأن يضمن لنفسه الاستمرار في مركز الحكم وصناعة القرار حتى عام 2029 بمقتضى التعديلات الجديدة والإجراءات التي اتخذها داخل الحزب ومؤسسات الدولة التركية عبر السنوات الستة الماضية؛ أي أنه بشكل عملي قد يصل مجموع سنوات حكمه إلى 26عام، منهم 12عام بداية من 2017 بسلطات مُطلقة أقرب إلى حاكم على نمط القرون الوسطى وليس رئيس لدولة حديثة ديمقراطية في القرن الواحد والعشرين.

وفي نفس السياق، فأنه النتيجة الأهم لإقرار التعديلات الأردوغانية هي شخصنة هذه السياسات وربطها بشخص أردوغان، والتي فيما يبدو حتى كتابة هذه السطور أنها أتت كبديل لانتهاء حقبة «الآتاتوركية» بشكلها العملي المحافظ الذي كانت قمته الانقلابات التاريخية قبل صعود العدالة والتنمية وزعيمه للحكم، والقضاء عليها كقيمة “تراثية” في مؤسسات الحكم في تركيا بعد محاولة انقلاب يوليو، وتأسيس “الأردوغانية” وتعزيزها كبديل حصري، أي باختصار نجح أردوغان باستثماره لتداعيات ما حدث خلال الفترة الماضية أن يؤسس لمفهوم جديد داخل مؤسسات الدولة التركية يكمن في أن تكون “الأردوغانية” حاكمة ومسيطرة لها على مدار السنوات القادمة حتى بعد رحيله، وعلى نحو قانوني ودستوري وليس فقط كقيمة رمزية في الدستاتير التركية المختلفة كما كان الوضع إبان الحقبة الآتاتوركية.

هذا الأمر ينسحب أيضاً على بديهيات العمل السياسي داخل العدالة والتنمية والبرلمان التركي، فبعيد عن كون أردوغان قد كسر من 2014 عندما تولى الرئاسة مبدأ فصل العمل الحزبي عن الحكم، باستدامة زعامته وقراره الفعلي على الحزب الحاكم وإدارته للحكومة عبر داود أوغلو ثم بن علي يلدريم، وهو الأمر الذي أصبح شرعياً بعد التعديلات الجديدة، فإن أردوغان أصبح هو المشروع بحد ذاته وليس قائد يمثل حزب وشريحة اجتماعية كبيرة في المجتمع التركي. وعلى مستويات عديدة فإن هذا الأمر يجعله خارج إطار المساءلة -غير رسمي ولكن فعلي- للحزب وكذا يحصنه من المساءلة كرئيس للبلاد ويجرد البرلمان من سلطته الأكبر ويصبح فقط آلية تشرعية دون قوة فعلية على المسرح السياسي سواء لنواب حزبه أو لنواب الأحزاب الأخرى.

وما يدل على السابق ما حدث في مايو 2016 عقب تنحية داود أوغلو من رئاسة الوزراء والحزب بعد شُبهة خلاف بينه وبين أردوغان حول السياسة التنظيمية في الحزب وشكل السياسة الخارجية التركية، الذي أدى إلى افتراق داود أوغلو عن السياسة “الأردوغانية” بسبب مُجمل طريقة إدارة الرئيس التركي للسياسات في الداخل والخارج أضحت تخرج عن كونها شكل من أشكال السياسة العامة التي قام عليها حزب “العدالة والتنمية” والمشروع النهضوي التركي منذ بداية الألفية الجديدة، إلى تلخيصها مع المصلحة التركية في شخص أردوغان بشكل تتماهى فيه الفروق بين شخصه ومنصبه وما يطمح إليه وما بين مقتضيات السياسة والحكم وديمومة الاستقرار في بلد عانى في السنوات الخمس الأخيرة من اهتزازات داخلية وخارجية جعلت أردوغان ونهجه في إدارة الحزب والحكم محل انتقاد حتى من الرئيس السابق عبدالله جُل ناهيك عن المعارضة التركية. وأدت إلى محاولة انقلابية في العام الماضي.

وهنا يأتي تكريس سلطة أردوغان وشرعيته ومنهجه السياسي في الداخل التركي، كنتيجة لاستثمار ما حدث منذ محاولة الانقلاب التي مكنته بشكل مبدئي من تمرير التعديلات الدستورية التي تحول نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي، ومن ثم أن يكون له اليد العليا على مدى بعيد في إعادة تشكيل الخريطة السياسية التركية التي مالت لغير صالحه في السنوات الأخيرة، كذلك إيضاح للشعب التركي والتشديد أنه أمام خيارين: أما الأردوغانية وسياساتها ومنهجها وقيمها وأما الانقلابات والفوضى والإرهاب.

والسؤال الأجدر بالإجابة: إلى أي مدى يعتقد أردوغان أن نتيجة الاستفتاء الأخير تمثل تدعيم شعبي لسياساته ومستقبل السياسة الأردوغانية في تركيا؟ خاصة وأن وردود الفعل الداخلية والدولية عليها سواء بالتظاهرات أو بالتشكيك في نزاهة الاستفتاء أو مواقف الدول الأوربية القلقة من انفجار الأوضاع في الدولة الجارة، تأتي، وهي المواقف التي رد عليها الرئيس التركي ورئيس وزرائه بأنها “حملة صليبية جديدة” في إطار احتقان متصاعد بين أردوغان ومعظم دول الاتحاد الأوربي، وأزمات سياسية خارجية شبه مستمرة وأزمات داخلية لم تحلها نتيجة الاستفتاء كما أراد، بل عقدت المشهد أكثر وعززت من الانقسام الحاد في المجتمع التركي وشارعه السياسي.