بين التطرف والاستبداد.. مصر المضطربة تخاطر بمستقبل المنطقة (مترجم)

حسني مبارك، الذي حكم مصر لمدة ثلاثة عقود حتى اندلاع ثورة ميدان التحرير عام 2011، خرج من السجن الأسبوع الماضي. اليوم، من المقرر أن يقوم عبد الفتاح السيسي، قائد الجيش السابق الذي أطاح بحكومة جماعة الإخوان المسلمين عام 2013، بزيارة البيت الأبيض بدعوة من دونالد ترامب، الذي وصفه العام الماضي بأنه “رجل رائع “.

يشبه حاكما مصر الحديثان غلافي كتاب طويا فيما بينهما صفحات أحداث انتقال مصر الفاشل من الاستبداد. في الوقت نفسه طرد البرلمان المصري الغير فعال الشهر الماضي النائب محمد أنور السادات، أحد النواب المعارضين القليلين الذين لا يزالوا باقيين في البرلمان . ويقبع آلاف من شباب ثورة التحرير في سجون مصر.

من غير المرجح أن تكون مصر، في حالتها الحالية المحفوفة بالمخاطر وعدم اليقين، محورا في سياسة الشرق الأوسط لأي طرف، ومع ذلك تبقى حقيقة أن تاريخها وموقعها الجغرافي وعدد سكانها البالغ عددهم تقريبا 100 مليون نسمة يجعلها مركزا في أي حسابات إقليمية. ولا يزال الولايات المتحدة والأوروبيين والجيران العرب بحاجة إلى مراجعة أي مصر تلك التي أمامهم الآن.

على مدى عقدين من الزمن حتى طرد الرئيس السادات المستشارين الروس في عام 1972، كانت مصر لاعبا مركزيا في الحيل السوفيتية في الشرق الأوسط. بعد أن وقع السادات معاهدة كامب ديفيد للسلام مع إسرائيل في عام 1979، أصبحت مصر ركيزة إقليمية للسياسة الأمريكية. وفي أواخر التسعينيات وأوائل القرن الحادي والعشرين، كان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ينظران إلى البلاد باعتبارها مختبرا إقليميا للإصلاح الاقتصادي. في الواقع، كان نظام مبارك لا يقوم سوى بتوسيع دائرة رأسمالية المحسوبية – الأمر الذي مهد الطريق إلى ميدان التحرير.

جاء الرئيس السيسي إلى السلطة عام 2013 بعد احتجاجات جماهيرية ضد الرئيس محمد مرسي، الذي جماعته الإخوان المسلمون فازت بسلسلة من الجولات الانتخابية بعد فشل القوى اليسارية والليبرالية التي كانت الداعم لثورة ميدان التحرير في تنظيم نفسها بشكل فعال

أساءت جماعة الإخوان، بعد عام واحد في السلطة، استخدام تفويضها الهزيل ومضت في محاولة الاستئثار بالثورة التي بالأساس كانت مترددة في الانضمام إليها،. وبدلا من الحكم حاولت السيطرة على مؤسسات الدولة المصرية.

من وجهة نظر ترامب، السيسي أستطاع  إحكام السيطرة على مصر. وهناك وجهة نظر أخرى ترى أن السيسي المفترض أنه منقذ البلاد وجه بلاده إلى مواجهة قديمة بين الجيش من جهة مع الإسلاميين المتطرفين على نحو متزايد من جهة أخرى، دون أن يترك أي مساحة متبقية بينهما.

يقول مسؤول مصري مخضرم سابق أن “أجهزتنا العسكرية والأمنية تعتقد حقا أن هذا كله – انتفاضات ما تسمى بالربيع العربي –  مؤامرة كبيرة والهدف هو تدمير الجيوش العربية”.

يبدو أن هذا الاعتقاد راسخ في مصر بصورة مطلقة وهذا لا يظهر فقط في القمع الشامل للحريات المدنية ولكن في عدم الكفاءة المزعزعة للاستقرار في صنع السياسات أيضا.

في وقت متأخر العام الماضي، أقر البرلمان قانونا يضع جميع المنظمات غير الحكومية في مصر تحت سيطرة الحكومة المركزية. وأطلقت نيران هذا القانون على ما يقدر بـ 25 ألف منظمة غير حكومية من أجل استهداف نحو 200 منظمة تدافع عن حقوق الإنسان. وإذا ما نفذ هذا القانون، فسوف يمحو ما تبقى من المجتمع المدني، فضلا عن تقليص الخدمات الاجتماعية التي لا تستطيع الدولة تقديمها.

كما تمكن النظام المصري أيضا من تعكير العلاقة الوحيدة الأكثر قيمة لمصر مع السعودية التي قطعت مليارات الدولارات من المساعدات. وكان أحد الأسباب هو خطوة تنازل الحكومة المصرية عن جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، مما أثار رد فعلا قوميا وأكبر احتجاجات شهدتها البلاد منذ تولي الرئيس السيسي السلطة.

وبعد خسارة الهبات السعودية، اضطرت مصر إلى الإسراع في تنفيذ حزمة إجراءات اقتصادية للحصول على  قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي ليحل محل الدولارات البترولية المفقودة. وشملت تلك التدابير المتسرعة تخفيض قيمة العملة وتخفيضات في الدعم مما تسببت في احتجاجات الخبز في دوران غير مفاجئ لأولئك الذين يتذكرون انتفاضة الخبز ضد صندوق النقد الدولي عام 1977.

قد لا يكون هناك بديل آخر للسيسي على الأقل في الوقت الراهن. لكن فكرة ترامب بأن نظام الرئيس المصري “حقا” يحكم السيطرة لا تثبت صحتها بسبب تراكمات الحطام السياسي. حتى أن دبلوماسي غربي متعاطف يقول “المشكلة هي أنهم يمارسون سياسة من دون سياسة”.

إذا لم تتمكن مصر من رسم طريق للمضي قدما بين التطرف والاستبداد، فإن آفاقها، وكذلك آفاق المنطقة العربية المضطربة، ستكون قاتمة. ولن تصبح أكثر إشراقا عند عودة الغرب إلى منطقة راحتهم المعتادة “دعم المستبدين العرب”. إن تشجيع الحكم الاستبدادي يخاطر بإعادة مصر إلى الوراء مما قد يعرضها للانضمام إلى حطام الدول الفاشلة الأخرى في المنطقة، باستثناء أن مصر ليست مجرد دولة أخرى.

 

فايننشال تايمز

المقال من المصدر