بالفيديو.. الشاروني لـ«البديل»: عبد الناصر قدمني على نفسه.. وتركت القضاء من أجل المسرح (1-3)

تصوير – محمد منير

عند لقائي به، صارحته أني أتيت وفي نيتي الاستيلاء على كل شيء لديه، فرحب بشدة، لكني وجدت نفسي كـ “علي بابا” حملت كل ما أستطيع من كنوز في المغارة، وتركتها، لأكتشف أن المغارة من كثرة كنوزها لم يظهر فيها أني أخذت شيئًا.

عندما تكون حياة إنسان هي حياة لثقافة وفكر أمة.. وعندما يكون في السابعة والثمانين من عمره، ويتمتع بروح وطاقة الشباب، ويضيف إليها خبراته الحياتية والثقافية والفنية.. وعندما يجعل العالم ينحني لثقافتنا احترامًا، فتشهد ماريا ألبانو أستاذ الأدب العربي بجامعات إيطاليا أنه من أعظم أدباء العالم، ويحصل بالفعل على هذا التصنيف، فإن أقل حقوقه علينا أن نقدره، ونستولي على ما لديه.. كاتب الأطفال الرائد يعقوب الشاروني..

نستعرض حياته التي هي حياة أدب الأطفال المصري والعربي..

نبدأ رحلتنا مع ما يمكن أن أسميه “إرهاصات الكتابة للأطفال”، متى بدأت دخول هذا المجال؟

بدايتي كانت في عمر 9 سنوات، ولكن البداية الفعلية بنشر أعمالي كانت سنة 1958.

قبل دخولك إلى المجال، كيف كان شكل الكتابة وقتها، وبالتحديد كتابات كامل كيلاني الرائد في تلك الفترة؟

لا أنكر أن كامل الكيلاني جعل كتب الأطفال توضع في المكتبات، هو اعتمد على الترجمة، وحتى ألف ليلة وليلة أخذها من أصول أجنبية.

نفس فكرة اللوغاريتمات التي هي أصلاً “لوجريتمي” النطق الأجنبي للخوارزمي، لماذا أخذ ألف ليلة وليلة من النص الأجنبي لا الأصل العربي؟

كامل كيلاني في ذلك الوقت وجد أبناءه يقرءون كتب أطفال باللغة الإنجليزية، وكان هو نفسه مبهورًا بها، فتساءل: لماذا لا أكتب لأبنائي كتبًا مميزة باللغة العربية؟ وفكر أن يسد النقص في المكتبة العربية، لكنه كان متعجلاً، فأخذ من الجاهز النص الأجنبي الي يقدم معالجة لألف ليلة وليلة، وتصور أنه يمكن أن يقدم إضافة إلى المجتمع العربي لا اللغة العربية، فأضاف كثيرًا من النصائح المباشرة في رواياته، كما أنه أراد أن يوهم القارئ أن ما يقدمه يرتقي باللغة العربية لدى الأطفال، وكان هذان المضمونان (التربوي واللغوي) سبب نجاحه وقتها.

ولكنهما يقضيان على أي عمل أدبي عمومًا، والمقدم للطفل على وجه خاص.

هذا ما يحدث اليوم، حيث يتم استبعاد أي عمل للطفل من المسابقات العالمية بمجرد ذكر أن الكاتب قصد تقديم مضمون تربوي أو لغوي. ورأيي أنهما كانا الوسيلة ليقنع المجتمع بجدوى كتب الأطفال. وفكرة أنك “تنمي التذوق” سنة 1927 كانت شعبيًّا غريبة على المجتمع، فكتب قصة علاء الدين؛ ليقولوا: من يعصى أباه ربنا يعاقبه، في حين أن القصة لم تعاقب علاء الدين، فعندما حبس الساحر علاء الدين، استغل كامل كيلاني الفرصة؛ ليكتب صفحة كاملة أنه عقاب من الله لعلاء الدين؛ لأنه لم يسمع كلام أبيه، بينما الصفحة التي بعدها، وجد علاء الدين مصباحًا به جني قال له: كنوز الدنيا بين إيديك.

حتى المضمون الذي أقحم به كيلاني القصة وبشكل توجيهي مباشر متناقض؟

نعم، هو من نقل أدب الأطفال من الحكايات الشفوية التي كانت تحكيها الأمهات والجدات للأحفاد إلى كتب توضع على الرفوف، ولكن للأسف حتى الآن هناك من يسير على درب كامل كيلاني، ويكثر من النصائح، متصورًا أن هدف أدب الأطفال هو التربية. الخلفية التربوية لا بد أن تكون موجودة، لكن أن تكون هدف العمل، هذا يقضي فعلاً على أدب الأطفال. أجد مثلاً كاتبًا يشرح الكلمات في النص، أو يملأ الكتاب استشهادات، سواء من الشعر أو الأقوال المأثورة، كل هذا يفسد تذوق العمل الأدبي. أستاذي ومن جعلني أشعر أن أدب الأطفال شيء هام جدًّا كامل الكيلاني، لكن أن يستمر بعض الكتاب حتى الآن يفعلون ما كان يفعله الكيلاني، بعد أن أصبح أدب الأطفال يحصل على أكبر الجوائز في العالم، هذه هي المسألة، أننا يجب أن نتطور مع الزمن.

ندخل إلى الخطوة التالية، دخولك لأدب الأطفال، هل كنت واعيًا وقتها لهذه المشاكل؟

لا لم أكن واعيًا في بداية كتابتي، لكني وعيته مع تقدم عمري. أنا وجدت نفسي أكتب، للكبار أم الأطفال؟ لم يكن أحد يفكر في هذه المسألة. وجدت نفسي في عمر تسع بالصف الثالث الابتدائي سنة 1939 أكتب شيئًا في الحصة، سألني الأستاذ عبد الحق رحمه الله: ماذا تكتب؟ وبدون أن أفكر قلت له: رواية. وأراد أن يحرجني، فطلب مني أن أقف وسط الفصل وأقرأ ما كتبته، ولما قرأت، بدل أن يقطع الكراسة طبطب عليَّ، وقال: اقعد يا ابني.. ربنا يفتح عليك.. كمل روايتك. وأعتبر تقديره أكبر وأهم أولى جوائزي التي أخذتها.. وهذا معناه أني كنت أكتب بغير أن أفكر هل هذه رواية للكبار، أم للأطفال، والرواية كانت نتيجة تأثري بقراءتي لقصة العاصفة لشيكسبير. لكن الحقيقة ما كان يشغلني وقتها الكتابة للمسرح.. كنت أكتب للمسرح وعمري 11 سنة.. كان نظام التعليم وقتها الابتدائية 4 سنوات، بعدها الثانوية 4 سنوات، ثم سنة تسمى التوجيهية، تليها الجامعة 6 سنوات.. دخلت الجامعة وعمري 15 سنة.. في هذه الفترة كنت مهتمًّا جدًّا بالمسرح، وكانت عندي مكتبة كاملة عن المسرح، وقرأت في الثانوية ترجمات دريني خشبة لدراسات عن المسرح، وكنت رئيس فريق التمثيل.

أول مسرحية كتبتها، هل هي أبطال بلدنا؟

لا، أبطال بلدنا كتبتها سنة 59، لكن أذكر أني كتبت مسرحية مقتبسة من قصة “وردخان” الشعبية، ولم أكن وقتها قرأت مسرحية عطيل لشكسبير، وهي عن قائد شكك الأمير في زوجته، فطلب من أحد الرجال أن يأخذها في الغابة ويقتلها، فتركها، ثم اكتشفت براءتها، كتبتها ومثلتها وأخرجتها، وكانت من أنجح الأعمال.

بعد ذلك كونت مجموعة من الأصدقاء، وبدأنا في تقديم عروض كثيرة للجمعيات الخيرية، في ذلك الزمان كانت الجمعيات تعفى من الضرائب عن حفلتين تقيمهما في السنة، وكنت أختار النصوص، وأخرجها، وحققنا انتشارًا كبيرًا.

في تلك الفترة كنت أكتب بلا وعي هل هو للأطفال أم للكبار، وكنت أكتب للمسرح.

ولكن “أبطال بلدنا” رغم أنها للكبار تصلح مسرحية للأطفال، هل نعتبرها بداية احترافك الكتابة للطفل؟

أبطال بلدنا تصلح للأطفال، ولكن أول ما نشر لي قصة “وادي الكنوز” و3 قصص أخرى عام 1958.

كنت وقتها قاضيًا ولم تتفرغ للتأليف؟

نعم، أنا قاضٍ منذ سنة 1953، وهذه المجموعة نشرت بدار المعارف، وكان اسمها وقتها مؤسسة المطبوعات الحديثة.

فنيًّا هذا العمل كبداية لك هل يفرق عما كان ينشر للأطفال من قبل؟

لم أكن وقتها أعرف، لكني تجنبت أن تكون القصة وسيلة للتربية، أحببت أن أقدم قصة شيقة، وفي نفس الوقت تقدم قيمة عظيمة جدًّا، فلم ألجأ فيها إلى عبارة واحدة مباشرة هذا أولاً، ثانيًا لم أعتبر في أي كتاب منذ بدايتي وحتى الآن أنه وسيلة لتعليم اللغة.

من قراءتي لأول فقرة في “وادي الكنوز”، اللغة بسيطة، والجمل قصيرة وانسيابية، وهذا يمثل قفزة جريئة في 58؟

لماذا؟ لأنك في المسرح إذا لم تكتب كلمة تصل بسرعة وسلاسة للمستمعين، فأنت فاشل، وسيفسد العرض المسرحي. وهذا ما تعلمته، ونفذته في الكتابة للطفل. ظللت أكتب للمسرح 18 سنة من عمر 11 سنة إلى 29، قبل أن أنشر أول كتاب للطفل، فكونت ذائقة لنوع الكلمات واللغة التي أخاطب بها الآخرين.

وتَكوَّن عندك شيء مهم، أن تضع في ذهنك القارئ؟

طبعًا، المسرح به مشاهد يتابعك، غير الكاتب الذي يكتب، وليس في ذهنه القارئ. النقد الحديث يقول: عليك دائمًا أن تفترض القارئ المفترض.

ما تنبه له النقد اليوم وصلت إليه في الأربعينيات.. فالمسرح جعلك تتعامل مع القارئ كمشاهد، وانعكس على شغلك؟

أحد أسرار ارتفاع مستوى كتابتي بما يناسب الأطفال أني كنت أكتب للمسرح، وأشعر دائمًا كيف تصل الكلمة للمستمع، فأصبح جزءًا من طبيعتي، وفعلاً القارئ عندي مشاهد. مئات العروض قدمتها أمام الجمهور المباشر، فأصبح اختيار اللغة المناسبة من طبيعتي.

والبعض ذكر أني أعتمد على الحوار إلى حد بعيد في رسم الشخصيات وإحكام الحبكة الدرامية.. دريني خشبة لما ترجم كتاب فن كتابة المسرحية للكاتب لايوس إجري، عندما تقرؤه، تجد أن ما كتب عن المسرح يفيدك جدًّا في الرواية والقصة، ومقدمة دريني خشبة تقول هذا.

الحوار عندك لا يقوم بدور السنيد، بل البطل، هل كان مسرحي الجذور، أم هناك جذور أخرى؟

أنا بدأت بقراءات من خلال مكتبة أخي يوسف.. كل ما كان صدر لنجيب محفوظ.. كل ما كان صدر لتوفيق الحكيم.. كل ما كان صدر لطه حسين، وكنت أشتري المسرحيات، كنت أجد كل عيون الأدب العربي والمترجم، كما كانت مكتبة أخي ذاخرة بكتب الفلسفة، فقرأت من طفولتي في الفلسفة وعلم النفس وعمري 11 سنة، وكانت المدارس تقيم مسابقات في مادة يختارها الطفل، فاخترت الفلسفة، وكنا ندرس في قسم أدبي مادة الفلسفة، وكان مقررًا علينا النصوص الأصلية لا الشارحة، أذكر مثلاً الجمهورية لأفلاطون، المنقذ من الضلال للغزالي، المنهج لديكارت، ونجح في المسابقة 3 فقط على مستوى القطر المصري، كنت واحدًا منهم، سنة 1946، فالمسرح والفلسفة كانا من مقومات شخصيتي الفكرية والإبداعية.

ونحن نبحث عن مكونات شخصيتك الإبداعية المتميزة لا ننسى التنشئة الموسيقية.

عندما كان أخي يوسف في كلية الآداب، الدكتور لويس عوض أسس “جمعية الجرامفون”، كانوا يستمعون للأعمال الموسيقية العالمية على أسطوانات، وكل مرة في بيت أحد أعضاء الجمعية، بدل الاجتماع بالكلية؛ ليكون لكل عضو بيئة موسيقية في بيته.

مسرحية أبطال بلدنا للكبار منشورة سنة 60، وقصة وادي الكنوز للأطفال نفس سنة النشر، هذه السنة هي التحول في حياتك لاحتراف الأدب؟

أنا وقتها كنت لا أزال قاضيًا، وكنت أكتب دائمًا مسرحيات، لكن أبطال بلدنا انتقلت فيها من الكتابة للحفلات المسرحية إلى الكتابة للمسابقات والنشر، وحصلت بها على جائزة الدولة.

إذن “أبطال بلدنا” هي اللي غيرت حياتك؟

ليست المسرحية ولا الجائزة، ولكن من الأمور النادرة جدًّا في مصر أن يقترح رئيس الجمهورية موضوعًا يكتب فيه الأدباء، عبد الناصر اقترح أن يكتب الأدباء مسرحية أو رواية عن انتصار المصريين على لويس التاسع، وكان في 59 كتب بداية رواية اسمها “في سبيل الحرية”، كانت عن انتصار المصريين على حملة فريزر التي نزلت إلى دمياط قبل غزو نابليون لمصر، عبد الناصر كتب الفصول الأولى، وعملوا مسابقة بتوصية منه لاستكمال هذه الرواية، وبعدها بعام كانت المسابقة التي فزت بها بالمركز الأول، وحصل علي أحمد باكثير على المركز الثاني.

اللجنة التي أعطتك الجائزة؟

كانت مكونة من د. مهدي علام، خالد محمد خالد، طاهر الطناحي، عبد الحميد جودة السحار، عبد الحميد حسن، عبد الرحمن الشرقاوي، د. عبد القادر القط، محمد خلف الله أحمد، محمد سعيد العريان.

وأركز على أسماء اللجنة، لأن هؤلاء أصبحوا قمم الأدب والنقد في مصر والوطن العربي.

محمد سعيد العريان تلميذ الرافعي، ومع ذلك لم ينتقد أن لغتك سهلة؟

التقييم كامل وشامل وليس لغة فقط.

إذن سنة 60 هي الحاسمة في حياتك وفي تطور الكتابة للطفل، لتصبح أدبًا، من خلال العملين اللذين أمامنا؟

اللحظة الحاسمة التي غيرت حياتي لم تكن الجائزة فقط، وإنما المشهد نفسه. الرئيس عبد الناصر قرر أن يوزع الجوائز في المنصورة مكان أسر لويس التاسع، يوم 7 مايو 1960، لأن هذا يوم الموقعة الأخيرة لهزيمة الجيش الفرنسي، وأقيم احتفال كبير، ذهبت، فرأيت الميدان الرئيسي به نصف مليون شخص جاءوا لمشاهدة الزعيم، والحفلة كانت في قاعة المحافظة، عبد الناصر جاء من القاهرة، وسيارته لم تستطع أن تدخل من زحام الناس، وقرر أن ينقل الميكروفونات من القاعة للشرفة التي تطل على الميدان، وكان عبد الناصر عندما يخطب ينتظره كل المصريين والعرب، وفوجئت بالرئيس بدل أن يبدأ، يلتفت حوله، ويناديني باسمي، وهذه أول مفاجأة، وسألني “أنت محضر كلمة تقولها؟”، قلت “أيوه يا أفندم”، فوضع يده على كتفي، وقال لي “اتفضل”. هذه اللحظة لا تعدلها أي جائزة.. رئيس الجمهورية يقدمني على نفسه، والعالم العربي كله يترقب ماذا سيقول عبد الناصر اليوم، خاصة أن هذا اليوم حدث فيه شيء غريب.. باخرة مصرية اسمها كليوباترا بها شحنة بترول مصري لأمريكا، ونتيجة الصهيونية العالمية حرضوا عملاء الميناء على عدم تفريغ السفينة، إنما العالم الذين مع عبد الناصر ضغطوا، وصباح اليوم تم تفريغ السفينة، فكانت كلمتي عن أن هذا انتصار كبير، وكان الجميع يصفق لي.