«الكلب المجنون».. ماذا يحمل في جعبته للشرق الأوسط؟

في الوقت الذي أرسل فيه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، نائبه “مايك بنس” إلى شرق آسيا؛ لإرساء سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة، ومحاولة بحث التهديد الكوري الشمالي للولايات المتحدة الأمريكية مع دول شرق آسيا وعلى رأسها اليابان وكوريا الجنوبية، كان وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، يتجهز للقيام بجولة شرق أوسطية وإفريقية تستمر من 18 وحتى 23 إبريل الجاري، يزور خلالها عدة دول في مقدمتها السعودية، ليطير بعد ذلك إلى مصر ومنها إلى جيبوتي وقطر وإسرائيل، وتأتي في خضم الزخم الإقليمى الذى أعقب استهداف “قاعدة الشعيرات” الجوية السورية بصواريخ “توماهوك” الأمريكية، واستخدام “أم القنابل” غير النووية في أفغانستان، وتحريك البوارج الحربية في شبه الجزيرة الكورية كتهديد لكوريا الشمالية.

بورقة الفزاعة الإيرانية.. “ماتيس” في السعودية

وصل وزير الدفاع الأمريكي، جيمس ماتيس، المعروف بـ”الكلب المجنون” إلى الدولة الحليفة الوثيقة لواشنطن “السعودية” أمس الثلاثاء، في زيارة هي أول محطة له في الجولة الشرق أوسطية التي تعتبر الأولى له أيضًا منذ تسلمه مهام منصبه في يناير الماضي، حيث أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون” أن ماتيس سيعيد التأكيد على التحالفات العسكرية الأمريكية الرئيسية، وأضافت أن الوزير الأمريكي سيبحث التعاون في مواجهة الأنشطة الساعية لزعزعة الاستقرار وإلحاق الهزيمة بالمنظمات الإرهابية.

خلال الزيارة ألتقى “ماتيس” بالملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، والعديد من المسؤولين السعوديين، وعلى رأسهم ولي ولي العهد السعودي، وزير الدفاع، محمد بن سلمان، وأعلن وزير الدفاع الأمريكي أن بلاده تدفع نحو إجراء مفاوضات بإشراف الأمم المتحدة لإنهاء النزاع في اليمن في أسرع وقت ممكن، وقال إن “هدفنا حيال هذا النزاع هو وضعه أمام مفاوضات ترعاها الأمم المتحدة لإيجاد حل سياسي في أسرع وقت ممكن”، وتابع: سنعمل مع حلفائنا وشركائنا للوصول إلى طاولة مفاوضات برعاية الأمم المتحدة”. وزعم الوزير الأمريكي أن الصواريخ التي يطلقها الحوثيون باتجاه الأراضي السعودية هي صواريخ إيرانية، مضيفًا: يجب أن تتوقف.

بعيدًا عن التصريحات المُعلنة فإن السعودية وأمريكا حليفان استراتيجيان لبعضهما خاصة في عهد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي طالما انتقد خلال حملته الانتخابية وعقب تنصيبه في يناير الماضي، ممارسات السعودية وتورطها مع الجماعات والتنظيمات الإرهابية وإفشائها للإرهاب في المنطقة، لكن لم تمر الكثير من الأيام ليعود “ترامب” عن مبادئه مثلما فعل مع العديد من الدول، حيث سارع إلى تقديم الدعم العسكري والمعلوماتي للتحالف الذي تقوده الرياض في اليمن، كما أنه عزز دور أمريكا في المستنقع اليمني من خلال دعم القوات السعودية والإماراتية جوًا وبحرًا في شن ضربات ضد مواقع الجيش اليمني وحركة أنصار الله، فضلًا عن تعزيز صفقات الأسلحة التي توردها واشنطن إلى الرياض مستغلة في ذلك تعطش المملكة للمزيد من الأسلحة في عدوانها على اليمن، الأمر الذي أعاد الحديث عن التحالف الأمريكي الخليجي بعد أن كان قد انهار في الأيام الأخيرة للرئيس السابق، باراك أوباما.

وذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن الدور المرتقب لواشنطن في اليمن سيكون عبر زيادة دعم الحلفاء الخليجيين بهدف التصدي لإيران، التي تمثل قلقًا استراتيجيًّا للسعودية وأمريكا، حيث تلعب واشنطن جيدًا على ورقة تهديد النفوذ الإيراني للدول الخليجية ومخاوف الأخيرة من تصاعد نفوذ طهران في المنطقة، خاصة في ظل سيطرتها على الأوضاع في سوريا والعراق واليمن، وسيرها عكس الاتجاه الخليجي تمامًا.

زيارة ماتيس للقاهرة

زيارة وزير الدفاع الأمريكي للقاهرة تأتي في الوقت الذي أظهر فيه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، دعمه القوي للقيادة السياسية المصرية، وذلك خلال زيارة الرئيس “عبد الفتاح السيسي” الأخيرة للبيت الأبيض ولقائه نظيره الأمريكي “ترامب”، الأمر الذي دفع مراقبين إلى ترجيح أن تكون هذه الزيارة بمثابة إعطاء المزيد من الثقة الأمريكية للقيادة المصرية لمكافحة تنظيم “داعش” في سيناء، كما أنه من المرجح أن يبحث “ماتيس” مع “السيسي” القضية الفلسطينية وسبل حلها من خلال المفاوضات التي كانت تقودها مصر.

ومع وصول “ماتيس” إلى مصر، تكون قد حطت طائرة وفد روسي بمصر؛ لإجراء محادثات حول صفقة معدات حاملتي المروحيات العسكرية “ميسترال”، اللتين اشترتهما مصر من فرنسا، حيث قالت مصادر روسية مطلعة إن المحادثات تشمل التفاوض بشأن توريد معدات اتصال وتحكم لمصر، يمكن تركيبها بحاملة الطائرات ميسترال.

قطر وجيبوتي.. القواعد الأمريكية

قطر أيضًا تأتي على قائمة الدول التي من المقرر أن يزورها “ماتيس”، وهي الزيارة التي رجح مراقبون أن تقتصر على بحث العلاقات الأمريكية القطرية، خاصة أن الأخيرة تعتبر ورقة رابحة ودمية سهلة في يد أمريكا؛ نظرًا للعلاقات التي تربطها بإسرائيل وتحريضها المستمر على الدول العربية، وفي مقدمتها مصر وسوريا، فيما رأى آخرون أن “ماتيس” سيتفقد القواعد العسكرية الأمريكية في قطر وجيبوتي، حيث تضم قطر قاعدتين عسكريتين أمريكيتين هما قاعدة “العُديد” الجوية التي تقع جنوب غرب العاصمة القطرية “الدوحة”، والتي تعد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط، وقاعدة “السيلية” التي تقع خارج الدوحة بنحو 35 كم، ويصل عدد القوات الأمريكية الموجودة في القاعدتين إلى 11 ألف جندي أمريكي، ويعتبران أكبر مخزن للأسلحة الأمريكية فى الشرق الأوسط، فيما تعتبر جيبوتي، الواقعة في منطقة القرن الإفريقي، حليفًا هامًّا وجديدًا لواشنطن، تقلع منها طائرات حربية أمريكية بدون طيار؛ لتنفيذ مهمات حساسة في اليمن والصومال.

“ماتيس” في إسرائيل للطمأنة

زيارة “ماتيس” لإسرائيل وضعها العديد من المراقبين في إطار الطمأنة الأمريكية للحليفة الصهيونية، خاصة أن أوضاع الشرق الأوسط في الوقت الحالي باتت تقلق القيادات الصهيونية بشكل غير مسبوق، حيث تشعر تل أبيب أن التحديات أصبحت تحدق بها من كل جانب، سواء في الجولان السوري، أو الأراضي اللبنانية وحزب الله الذي تتزايد قوته السياسية والعسكرية، أو العراق التي صارت على وشك التحرر من التنظيمات الإرهابية ونفوذ إيران المتصاعد هناك، أو روسيا التي تقف إلى جانب القيادة السورية والإيرانية دون الاهتمام بالمخاوف الصهيونية، أو التهديدات الداخلية من قطاع غزة وحركة حماس.

في ذات الإطار قالت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” إن الوزير الأمريكي سيجتمع مع كل من الرئيس الإسرائيلي، ريوفين ريفلين، ورئيس الوزراء، بينيامين نيتنياهو، ووزير الدفاع، أفيغدور ليبرمان، في محاولة لإيجاد طرق جديدة لمواجهة الجماعات المتطرفة، فيما أفاد موقع “ذا ميديا لاين” الأمريكي، بأن المسؤولين في تل أبيب سيتطرقون خلال لقائهم مع “ماتيس” إلى وعود ترامب خلال حملته الانتخابية بشأن نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى مدينة القدس المحتلة، هذه الخطوة التي وعد بها ترامب مرارًا حليفته الصهيونية، لكن يبدو أنه تراجع عنها بعد التهديدات والتحذيرات العربية والغربية، خاصة أن إدارة “ترامب” باتت تغوص في العديد من الأزمات في وقت قصير.

“ماتيس” والعودة إلى الأحضان العربية

خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، خرجت العديد من الدول العربية من العباءة الأمريكية نتيجة تراجع الدعم الأمريكي لهذه الدول وتركيز “أوباما” حينها على الملفات التي تورط فيها منذ بداية ولايته، لكن منذ أن تم تنصيب “ترامب” يحاول الرئيس الأمريكي إعادة الدعم والاهتمام بمنطقة الشرق الأوسط التي تشكل منطقة هامة للأمن القومي الأمريكي، وظهر ذلك في تعيين “ترامب” لـ”ماتيس” وزيرًا للدفاع، حيث أشرف الأخير لعدة سنوات على جهود الحرب الأمريكية في الشرق الأوسط، فقد ترأس “ماتيس” كتيبة قوات مشاة البحرية “مارينز” خلال حرب الخليج الأولى، وفرقة تابعة لقوات المارينز خلال غزو العراق في 2003، وفي 2010 رشح “ماتيس” كرئيس للقيادة الأمريكية العسكرية الوسطى، وكذلك شارك في الحرب على أفغانستان، الأمر الذي جعله مُلمًّا بأمور الشرق الأوسط ونقاط ضعفه، وهو ما يدلل على عودة واشنطن إلى أحضان المنطقة العربية.