القتل باسم اللـه

منذ بدء الخليقة، والإنسان يقتل أخاه الإنسان تحت ذرائع ومسميات شتى، وأبشع هذه الذرائع هى ما تحمل اسم اللـه، فالذين يقتلون تحت ذريعة تنفيذ أوامر اللـه، أو الحرب المقدسة، هم مجرمون يفترون على اللـه بالكذب، لا يريد اللـه أن نقتل بعضنا البعض تحت أي ذريعة أو مبرر، ولا يريد منا أن نستغل اسمه فى جرائمنا وحروبنا البائسة التى لا تنتهى.

لا يوجد أروع من الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكى (1821-1881) في تصويره لدوافع هذا النوع من القتل في روايته العظيمة “الجريمة والعقاب”؛ فى هذه الرواية نقرأ عن الإنسان الذي يبيح لنفسه القتل بالاستناد إلى العقل والمنطق، فبطل الرواية، راسكولنيكوف، هو شاب ترك دراسته الجامعية بسبب الفقر، يكتب مقالة بعنوان “جريمة” وينشرها فى إحدى الصحف، وهو في مقالته هذه يرى أن هناك أناسا لهم الحق في ارتكاب الجرائم وقتل الآخرين لأنهم مخلوقات متفوقة أو غير عادية، فهو يقسم الناس إلى نوعين: عاديين وغير عاديين، وفرض على الناس العاديين أن يعيشوا مطيعين دون أن يكون لهم الحق في تجاوز القانون وخرقه، أما غير العاديين، فإن لهم الحق الشخصي في ارتكاب الجرائم وخرق كل قانون، والمقصود بالحق الشخصي هو أن يرتكب الجريمة وهو مرتاح الضمير، لأنه يشعر بأن له الحق في تخطي بعض العقبات التي ينبغي تجاوزها لتنفيذ فكرته التي يتوقف عليها إنقاذ الجنس البشري كله.

إن فكرة الحق في ارتكاب الجريمة للناس المتفوقين أو غير العاديين، التى راودت راسكولنيكوف وجعلته قاتلا، تظهر بشكل واضح في الجرائم التي يرتكبها من يوصفون اليوم بالإرهابيين، فهم يرتكبون جرائمهم البشعة لأنهم يرون في أنفسهم أناسا متفوقين ومن حقهم بل من واجبهم هداية الناس إلى الحق الذي يملكونه هم ولا يملكه الآخرون العاديون، وأن سبب تفوقهم يعود إلى احتكارهم الحقيقة أو الدين الصحيح، هذا هو اعتقادهم، وهذا هو سبب تحولهم إلى مجرمين وإرهابيين.

لا بد في البداية من تفرقة مهمة بين طرفين هما الدين من جهة، والمؤمن بهذا الدين من جهة أخرى، فبينما الدين واحد، فإن المؤمنين به كثيرون، وليس هذا من الأمور الشاذة في طبيعة الناس، أن يختلفوا في طريقة فهمهم لنص واحد قرأوه، وهذا ما حدث بالفعل للمسلمين (كما حدث مثله في أتباع الديانات الأخرى جميعا)، فالمسلمون متفقون على القرآن الكريم، لكنهم مختلفون في فهمهم لبعض آياته، ومن هنا نشأت المذاهب المتعددة، وبالتالي يكون معنى الإرهاب هو أن يأخذ الإنسان بطريقة معينة في الفهم، أو مذهب معين، ثم يعلن أنه هو وحده على صواب وأن الآخرين على خطأ، ولو وقف الأمر عند هذا الحد، لما كان عليه غبار، لأن معنى أن يأخذ إنسان بمذهب معين دون سائر المذاهب، هو أنه قد رأى الصواب في جانب هذا المذهب الذي اختاره، لكنه ينقلب إرهابيا إذا هو أراد أن يدفع الآخرون بالقوة والعنف على مشاركته فيما أعتقد.

ولنضرب مثلا على ذلك من التاريخ، فإنه لما نشبت الحرب بين الإمام علي وبين معاوية على الحق فى إمارة المؤمنين لمن تكون، كان الموقف يتضمن رأيين فى أحقية الخلافة: الرأى الأول، أن آل بيت الرسول أحق من غيرهم بها، وفى هذه الحالة تكون الأحقية لعلي، فضلا عن أنه قد بُويع بالفعل، والرأى الثانى، هو أن أحقية الخلافة جائزة لكل من هو من أصل عربي، سواء أكان من آل البيت أم لم يكن، وفى هذه الحالة لم يكن هناك ما يمنع أن يتولاها معاوية إذا توفرت له شروط البيعة، فلما ثارت في قلب المعركة مسألة الاحتكام إلى القرآن الكريم في فض الخلاف بين الفريقين المتحاربين، تطورت الأحداث تطورا سريعا أدى إلى أن يخرج بعض أنصار الإمام علي عليه اعتقادا منهم بأنه لم يكن حاسم الرأي في مسألة الاحتكام إلى الكتاب، وأطلق على هؤلاء المعارضين اسم “الخوارج”.

وسرعان ما كوّن هؤلاء الخوارج لأنفسهم وجهة نظر دينية شاملة، كان منها رأى في أحقية الخلافة، فلا هم سلموا بأولوية آل البيت في ذلك الحق على سواهم، ولا هم وافقوا على أن يقصر ذلك الحق على من كان من أصل عربي من بين المسلمين الأكفاء للخلافة، وخرجوا برأي ثالث، هو أن كل مسلم له حق الحكم مادام يملك القدرة على ذلك، دون أن يكون بالضرورة من أصل عربي، أو أن يكون بالتحديد من آل البيت، فإذا نظرنا إلى هذا الرأي في حد ذاته، فربما وجدنا وجهة نظر الخوارج معقولة ولا تقل عن سواها من وجهات النظر، إذن فلماذا نفرت منهم الأمة الإسلامية، ولا تزال تنفر من مجرد ذكرهم؟ كان السبب في لجوئهم إلى العنف لكل من وقعت عليه أيديهم حتى يوافق على وجهة نظرهم، وإن لم يفعل قتلوه بأفظع صور القتل وأبشعها.

ولا بد أن نذكر هنا حقيقة عنهم لتكتمل الصورة أمام القارئ، وهي أنهم كانوا لا ينقطعون عن عبادة اللـه لحظة واحدة، ويديمون الصلاة لدرجة أن جباههم كانت تتقرح من كثرة السجود على الأرض الخشنة، فالخوارج قد أغضبوا الأمة الإسلامية على طول التاريخ الإسلامى كله، لا لمجرد أن لهم وجهة نظر إسلامية مختلفة، ولا لأنهم قصروا في عبادة اللـه، بل هم أغضبوها بسبب تطرفهم في إجبار الآخرين على قبول وجهة نظرهم، فلم تكن الموعظة الحسنة وسيلتهم، ولا الجدل بالحجة تقارع الحجة، ولا الحكمة، وتلك الوسائل الثلاث هي وحدها المذكورة في القرآن الكريم.

إذن ليس ما يجعل من داعش وأنصار بيت المقدس وغيرهما من الجماعات الإسلامية المتطرفة المعاصرة إرهابيين، أنهم قد اختاروا لأنفسهم وجهة نظر مختلفة، كلا، فهذه – على العكس – علامة تفكر، وكذلك ليس ما يجعلهم ذلك أنهم يحاولون إقناع الآخرين بمشاركتهم في وجهة نظرهم، لأن تلك المحاولة منهم، إنما هي دليل على اعتقادهم بصدق ما يؤمنوا به، لكن الذي يجعلهم إرهابيين حقا هو إرغامهم للآخرين بالقوة والعنف على قبول ما يدعون إليه، ففي ذلك الإرغام جوهر الإرهاب، إنهم لا يختلفون عن راسكولينكوف في رواية “الجريمة والعقاب”، فكلاهما يدعي لنفسه الحق الشخصي في ارتكاب الجريمة، لعل الفرق الوحيد بينهما، هو أن راسكولينكوف شعر بالندم وتأنيب الضمير بعد ارتكابه الجريمة، أما هؤلاء، لم يشعروا حتى الآن بالندم رغم جرائمهم العديدة المتكررة.

لا يمكن لهذا العالم أن يعرف الاطمئنان ما لم يؤمن الإنسان بفضيلة التسامح، ويتخلى عن اعتقاده الزائف باحتكار الحقيقة، ويمتنع عن اتخاذ دور المنقذ من الضلال، بهذه المفاهيم الثلاثة فقط يمكن أن يكون الإنسان إنسانا متحضرا وليس متوحشا، أما ما نراه اليوم من تهجير وتفجير وقتل، وغيرها من مظاهر التوحش، فمصدره من يدعون لأنفسهم احتكار الدين الصحيح، ومن تخيلوا أنهم المنقذون من الضلال، وهم في الحقيقة ليسوا سوى مجرمين وقتلة.