الشاروني: قدمت قضايا العصر من خلال الحكايات الشعبية.. وأكتب بروح القانون (2-3)

تصوير- محمد منير

نواصل لقاءنا مع رائد أدب الأطفال يعقوب الشاروني؛ ليستكمل مشوار حياته الذي هو مشوار لنشأة وتطور أدب الأطفال، ومقومات شخصيته الإبداعية، وكيف أفاده عمله بالقضاء في إبداع أدب ناضج فنيًّا، ولماذا كان تركه للقضاء والتفرغ للكتابة أمرًا حتميًّا. وإلى نص الحوار

نترك سنة 60 إلى نقلة مكانية زمانية مهنية، نستقر في أي عام؟

67، عندما أتتني الفرصة التي كنت أنتظرها من السماء، حيث كان د. ثروت عكاشة أتم بناء قصور الثقافة في الأقاليم، وكانت من قبل تسمى الجامعة الشعبية، فاختارني لبني سويف، وهبة عنايت لأسيوط، وعلي سالم لأسوان، ومحمود دياب للإسكندرية، وعز الدين نجيب لكفر الشيخ.

لما انتقلت لبني سويف، ذهبت معي لجنة، من ضمنها ألفريد فرج، لمعاينة قصر الثقافة واستلامه، فوجدت مسرحًا لا مثيل له بالقاهرة، به 1200 كرسي، ومجهز بصوت وإضاءة أفضل من الأوبرا المصرية، فكرت كيف سأشغل هذا المسرح العظيم؟

ما الذي قدمه الشاروني في تلك الفترة بما يمثل نهضة ثقافية، خاصة في الصعيد؟

كونت أربع فرق من الهواة تعرض طوال الأسبوع، ما عدا يومًا خصصته لنادي السينما بنفس طريقة الجامعة الأمريكية، وعملت نادي الفن التشكيلي، ومن سفرياتي للخارج، أحضرت شرائح لفناني العالم، إضافة إلى المصريين، وقدمت محاضرات في تاريخ الفن.. لم أكن أقدم تاريخ الفن، بل تاريخ الحضارة؛ لأنه لم يبقَ من الحضارات إلا الفن. العمارة والنقوش والرسوم هي ما بقيت من الحضارات، وظللت أربعين سنة أقدم محاضرات في هذا بكل قصور ثقافة مصر.

ما تأثير ذلك على كتاباتك؟

كل هذا ينعكس عليك وأنت تكتب، فمثلاً عندما أكتب رواية تاريخية، من أهم مصادري رسوم الفنانين في المتاحف عن هذه العصور.

لأنها وثائق تاريخية

وثائق، ما الذي نبهني لقيمة هذه الوثائق؟ دراستي للفن التشكيلي وتدريسي له جعل اللوحة حاضرة جدًّا في أعمالي التاريخية.. قلت لي إنك عندما تقرأ عملاً لي تشعر أنه سينما أو مسرحية، هذه رؤية كيف أتتك؟ من تلك المصادر التي على أساسها كتبت أعمالي.

المهم أني لم أنسَ الجانب الأدبي، فكنت أحضر مؤلفات، وأوزعها على أدباء بني سويف، ونعقد ندوات أسبوعية. التكوين المبدئي من طفولتي نفذته في عملي بقصور الثقافة.

طول هذه الفترة وعملك ثقافي عام، بلا تخصص للطفل؟

في الكتابة فقط، لكن اهتمامي بالطفل من أول أسبوع، كنت أعمل حفلة للأطفال أسبوعية من 9 إلى 11 صباح الجمعة، طوال السنتين، وكنت أخدم ما لايقل عن ألف طفل يحرصون على الحضور للمسرح.

كيف حدث تحولك من المسرح إلى الأطفال؟

مع هوسي بالمسرح، كان الأطفال هوايتي المختفية وراءه، والتي بدأت أكتشفها، فمع بدء عروض يوم الجمعة للأطفال في مارس 67، وفي الوقت الذي كان يحضر من الكبار 60 شخصًا لعروض السينما، وصل عدد الأطفال المشاهدين للمسرح في ثالث شهر إلى 1000، وزادوا إلى 1200، بعدها أصبح اثنان يجلسان على الكرسي الواحد، وكانت التذكرة بـ 9 ملاليم؛ لأن التذكرة التي بقرش عليها 3 ملاليم ضرائب، فكنت آخذ الـ 9 ملاليم، وأعطيهم بالمليم الباقي “بونبوني” ثمنه 3 و4 ملاليم، وأشتري بفلوس التذاكر هدايا لمسابقات الأطفال الموهوبين، وكان الأطفال لا يكتفون بيوم الجمعة، ويأتونني كل يوم، بل ويصطحب بعضهم أمهاتهم.

هل كنت تتحدث مع الأمهات بشأن أطفالهن؟

نعم، أذكر أني ذات يوم قلت لأم كانت تصحب ابنها “الحفلة للأطفال، والقصر في وسط البلد، لا خوف على ابنك أن يأتي وحده، فلماذا تحضرين معه؟”، فضحكت وقالت “ابني يروح للمدرسة 6 أيام، وعمره ما حكى لي عنها، لكن يحضر معك ساعتين، يظل طوال الأسبوع يحكي عنك، فجئت لأرى الساحر وما يفعله في خيال أولادي”. سألت أمهات أخريات، وجدت نفس الإجابة.. كنت أمشي، فأجد الأطفال يتركون اللعب في الشارع، ويجرون ليسلموا عليَّ، فشعرت أن وراء المسرح شيئًا خفيًّا يصر أن يخرج بين وقت وآخر، واكتشفت أني صاحب تأثير لا مثيل له على الأطفال. فتنبهت لقدراتي ككاتب للأطفال، وبدأت أكتب حكاية قبل النوم في برنامج مع “ماما علية إحسان”.. فمن جعلني أكتب للأطفال هم الأطفال.

ما أول أعمالك المنشورة للأطفال بعد اكتشاف نفسك في بني سويف؟

بدأت أنشر سنة 75. في المكتبة الخضراء بدار المعارف، وكان المشرف على النشر وقتها عادل الغضبان، وهو من أنشأ المكتبة الخضراء. وكانت معظم الأعمال مترجمة أو شعبية.

طبيعي لأن العصر كله وقتها كان ترجمات.

نعم، ولكن كما قالت ماريا ألبانو أستاذ الأدب العربي بجامعات إيطاليا إني لم أكن أعيد صياغة النص لغويًّا، ولكن أعيد في المضمون أيضًا. وهذا ما تنبهت إليه.. أني أستخدم الحكايات الشعبية وعاء لأقول فيه ما يناسب العصر.

لأن الحكايات الشعبية لم تكن للأطفال أصلاً، وإنما لأهداف سياسية وغيرها

حقيقي، المهم بدأت أنشر في المكتبة الخضراء بدار المعارف، إضافة إلى برنامج “حكاية قبل النوم”، وأنشر في مجلة “سمير” بدار الهلال، إلى أن طلب الرئيس عمل مسابقة في العام الدولي للطفل سنة 79. وكانت هناك جمعية اسمها “نشر المعرفة والثقافة العالمية” أقامت المسابقة لمن يكتب نصًّا روائيًّا للأطفال، وجائزتها ألف جنيه، كانت تساوي جائزة الدولة التشجيعية وقتها. كتبت رواية “سر الاختفاء العجيب”، وقدمتها للمسابقة، وحصلت على المركز الأول.

نرجع للقضاء، ما المشكلة أن يكون يعقوب القاضي أديبًا، ولا يسعى للتفرغ للأدب؟

مشكلة طبعًا.. لأن القضاء لا يقبل ضرة، أنا أعمل 11 شهرًا في السنة، وشهر واحد فقط الذي أكتب فيه. العمل القضائي مرهق جدًّا، ويجعلك تعيش مع الناس، كل قضية حياة بشر، ولكي تخلص في عملك، لا بد أن تعيشه بكل كيانك، ولا تنشغل عنه بأي شيء. لكن أفادني عملي بالقضاء 13 سنة، أعطاني خبرات بشرية لا نهائية. موضوعات وقضايا كثيرة، التعامل مع حياة ومصائر البشر حكايات لا تنتهي، إضافة إلى شخصية القاضي، فهو يطبق القانون، وأيضًا من حقه أن يطبق روح القانون، القاضي عندما يصدر مثلاً حكمًا بالحبس 3 سنوات مع إيقاف التنفيذ، فهو يطبق القانون بأن المتهم يستحق الحبس، لكنه يوقف العقوبة لأسباب إنسانية.

سعيك للتفرغ للأدب؟

بعد فوزي بالجائزة، ذهبت إلى توفيق الحكيم بوصفه رئيس المجلس الأعلى للثقافة (كان اسمه المجلس الأعلى للفنون والآداب)، وقال لي “يا شاروني أنت حاسس قوي بالمسرح”. يعني أني أكتب وكأني أقف على خشبة المسرح، وكتب لي يومها تزكية من 3 سطور أن آخذ تفرغًا لأكتب للمسرح. هذا التفرغ لم تنفذه وزارة العدل، ورئيس قضايا الحكومة بالمحكمة الإدارية العليا نقلني إلى المنصورة. معركة أخرى خضتها.

لا تعنينا المعركة، وإنما كيف شكل القضاء شخصيتك الإبداعية إضافة للمكونات السابقة؟

تعلمت من القضاء أنني لا بد أن أفهم الواقع جيدًا حتى أصدر الحكم، لأنك لو غلطت في فهم الواقع، ستغلط في تطبيق القانون، وأهم شيء هو دقة سرد الوقائع في القضية كأنك تحكي حكاية.. كنت كل سنة أكتب من 50 لـ 60 مذكرة، كل مذكرة تصلح عملاً أدبيًّا، وهذا جعلني أقول لنفسي: لماذا لا أكتبها في قصص وروايات؟ أريد أن أقول إن العمل القضائي لم يكن بعيدًا عن العمل الأدبي، بل كان مؤثرًا وموجهًا. شيء مهم أريد أن أقوله.. من سن عشر سنين أكتب يوميًّا مذكراتي.. أن أحول المشاعر والخبرة إلى كلمات أهم أداة للأديب، ونفس الأمر في القضاء.. أن أقضي 13 سنة أكتب كميات هائلة من الوقائع التي أرتبها، وبالمناسبة أيام شيوخ وعظماء القضاء كانت أحكامهم قطعًا أدبية.

نعكس الأمر.. من قاضٍ ويكتب أدبًا، إلى أديب بداخله قاضٍ؟

أن تكون مفهومًا ومقنعًا وعادلاً شيء رئيسي في العمل الأدبي، وأيضًا القاضي لا ينحاز، فأنت في عملك الأدبي احذر أن تنحاز لشخصية.. أنت تعرض الشخصية كأن كل واحد يدافع عن نفسه.. في العمل الأدبي الناجح.

نرجع للقانون وروح القانون في أعمالك؟

لا توجد شخصية شريرة وغير شريرة، هناك مزج بين الاثنتين، وفي الآخر هذه الأمزجة تتصارع. أتعامل مع من أخطأ بأنه يجب أن يعاقب، وفي نفس الوقت تكون هناك شخصيات أخرى أخطأت، ولكن لها مبررات. وهذا يظهر بوضوح في رواية “الأعمى وكنز الصحراء”. شخصيتان طوال الرواية لا تعرف من المخطئ ومن المصيب، وفي لحظات كل واحد يسمي الآخر الشرير أو الغبي، وفي النهاية لا تعرف من المخطئ، وكل واحد اختار مصيره، ولديه مبرراته، ها نتاج أنك في القضاء تعطي كل شخصية حقها، مبرراتها.

اقرأ الجزء الأول من الحوار: اضغط هنا
…………………………