السيسي شغَّال بالكيمياء مع بوتين أولاً وترامب أخيراً

 

عشنا هذه اللحظة “التاريخية” كثيراً من قبل.!

حين يجلس الرئيس مستريحاً على “دكة الحكم”، ويستقر به المقام في “دار الرئاسة”، يصير بين عشية وضحاها هو الصانع الماهر، والرياضي الأكبر، والمعلم المثالي، والفلاح الفصيح، والعسكري المخضرم، والمهندس الأعظم، والفنان المكرم، حتى يحوز الأوصاف كلها، ويتفرد بالمحاسن جميعها، ويتحلى من الفضائل بأجلها، وتصبح كل قراراته وإجراءاته وسياساته وأقواله وخطاباته، وأفعاله، وحركاته، وسكناته “تاريخية”.

**

يذكرني الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس أنور السادات أكثر من أي رئيس مصري آخر.

وأوجه الشبه بينهما كثيرة ومتعددة..

زيارته إلى واشنطن العاصمة والحديث الذي واكبها من إعلامه تذكرني بزيارة الرئيس ريتشارد نيكسون إلى صديقه السادات بالقاهرة وكيف تحدث إعلام السادات عنها.

 

طلب السادات من الصحف والتليفزيون أن تهيئ المصريين للخروج بأفضل استقبال لأول رئيس أمريكي يزور مصر في زيارة رسمية معلنة، أراد السادات استقبالاً أسطورياً لنيكسون، وكان قد قدم قبلها لوزير خارجيته هنري كيسنجر أوراق اعتماده حليفاً مطيعاً ومفيداً في منطقة شديدة الأهمية بالنسبة إلى دولة عظمى لها مصالح كبرى في المنطقة.

 

في صباح يوم وصول نيكسون، امتلأت شوارع القاهرة وشرفات منازل شارع العروبة، وأمام باب قصر القبة، وتم تجهيز سيارة مكشوفة، وكاد ترتيب السادات يختل حين رفض حرس الأمريكي ركوب نيكسون هذه السيارة حتى تعهد بقدرة قوات أمنه بالمحافظة علي حياة رئيس أمريكا.

 

كان استقبالاً مشهوداً، ألقيت خلاله الورود على الرئيسين على طول الطرق التي مضى موكبهما خلالها، حتى أن نيكسون وصف ما جرى في كلمته من شرفة قصر القبة بأن المصريين حولوا السيارة إلى حديقة، وقال: “يستطيع المسؤولون عادة التمييز بين الاستقبال الحكومي والاستقبال الشعبي من القلب، وأنا سعيد بقلوب المصريين”.

 

كانت المعارضة مغلوبة على أمرها وقتها، كما هي الآن، ولكن الشاعر أحمد فؤاد نجم سجل تلك اللحظة “التاريخية” في قصيدته الشهيرة:

شرفت يا نيكسون بابا يابتاع ال “ووترجيت”

عملولك قيمة وسيما سلاطين الفول والزيت

فرشولك أوسع سكة من راس التين على مكه

وهناك تنفذ على عكا ويقولوا عليك حجيت

وأهو مولد ساير داير شيلاه يا صحاب البيت”

جواسيسك يوم تشريفك عملولك دقة وزار

تتقصع فيه العايق، والساكت والمنشار

وكتب يوسف القعيد روايته “يحدث الآن في مصر” التي تدور أحداثها في إطار كوميدي اجتماعي حول إحدى القرى الفقيرة في مصر، حيث تصل إلى رئيس مجلس القرية أنباء عن أن قطار الرئاسة الذي يحمل رئيس الجمهورية والرئيس الأمريكي سوف يمر من القرية ويتوقف فيها قليلًا، فتبدأ القرية بسكانها جميعا بتحسين وتزيين قريتهم، ويحلم الجميع بالمعونة الأمريكية والاهتمام بمشاكلهم ويحل لهم أزماتهم ويوفر لشبابهم المتعطل فرص للعمل.

 

ويعلن طبيب القرية أن المعونة التي ستأتي من الأمريكان ستكون من نصيب النساء الحوامل فقط، فينشط رجال القرية لجعل نسائهم حوامل بما فيهم رئيس المجلس وزوجته، وتظهر معارضة ضعيفة ترفض أن تعول القرية على انتظار المعونة، وتنشأ صراعات بين أهل القرية تؤول جميعها إلى خيبة أمل في النهاية حين لا يتوقف قطار المعونة المنتظرة في محطة القرية، ويعبرها مسرعاً لا يلوي على شيء.

 

وبدأ مع زيارة نيكسون تاريخ جديد من العلاقات بين القاهرة وواشنطن، وبُشر المصريون بالمن والسلوى القادمة مع قطار نيكسون، ولكن زيارة نيكسون التاريخية إلى القاهرة انتهت إلى زيارة السادات التاريخية إلى القدس والاعتراف بدولة إسرائيل، وأعلن السادات أن كل أوراق اللعبة في العالم في الأيدي الأمريكية بنسبة 100%، وهي نسبة تجعل الأيدي المصرية والعربية فارغة من أية أوراق يمكنها من أن تحسن شروط النوم في حظيرة السياسة الأمريكية.

 

وكان أول إنجازات تلك الحقبة “التاريخية” قيام إسرائيل بغزو لبنان، ودخلت قواتها بيروت العاصمة، وطردت ياسر عرفات ومن معه من قوات وقيادات بعيداً عن الجبهة الوحيدة التي كانت مفتوحة مع العدو الصهيوني.

**

قُتل السادات، وجاء مبارك الذي ظل محافظاً على موقعه في الحظيرة، وماج العالم بمتغيرات كبرى، وراحت المنطقة كلها تعاني ويلات الحروب والتدخلات العسكرية السافرة، حتى احتلت بغداد، وسقطت قبلها عواصم عربية أخرى في براثن التبعية، وانتهت الأوضاع العربية إلى ممالك وجمهوريات وراثية متناحرة، فيما بينها، واشتعلت خارطة الشرق عواصف من نيران، وراحت تضربها رياح من التعصب والتخلف والإرهاب.

 

بعد سقوط مبارك وتنحيه عن السلطة، بدا أن الرغبة الشعبية الجارفة تتجه إلى إعادة صياغة جديدة للعلاقات المصرية مع العالم، وأولها العلاقة المصرية الأمريكية، واختفت رحلات الحج السنوية إلى البيت الأبيض، واستقبل المصريون الإيحاء بالتوجه إلى استعادة الدفء في العلاقات مع روسيا بسعادة حقيقية وظنوها توجهاً جديداً في السياسة المصرية نحو العالم.

 

وفي مشهد أعاد إلى أذهان المصريين ذكرى ما جرى في العام 1974 حين استقبلت القاهرة نيكسون، جاء الاستقبال الحافل للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أول زيارة له إلى مصر، وامتلأت شوارع القاهرة بالكثير من الملصقات التي تحمل صور بوتين، وتوافد على مطار القاهرة الدولي العشرات من المواطنين المصريين لاستقبال الرئيس الروسي، حاملين اللافتات باللغات الروسية والعربية والإنجليزية، إلى جانب الأعلام المصرية وصور الرئيسين السيسي وبوتين.

 

وحازت الزيارة صفة “التاريخية” بدورها.. وتحدث الإعلام كله على نغمة واحدة، ورقص الجميع على لحن واحد، وعزف العازفون على تيمة “تاريخية” اللقاء بين الزعيمين، وأشاد المتحدثون بهذه “الكيمياء” التي جمعت بينهما، وأفاضوا في الحديث عن المشتركات التي جعلتهما “روحين في زكيبة”، وبدا أن مصر تكتب تاريخاً جديداً في علاقتها مع العالم الخارجي.

**

لست أعرف ما هو “الاختلاف” الذي يمكن أن نتوقعه لو أن دونالد ترامب زار القاهرة في هذه الأيام عن كل ما جرى من تفاصيل زيارة نيكسون القديمة منذ 43 سنة.

سيقول الإعلام الجديد ما قاله الإعلام القديم بالحرف والكلمة، كأنهم يقرأون من نصوص حجرية مكتوبة لا يخرجون عليها ولا يقدمون فيها ولا يؤخرون.

 

عموما استعضنا عن زيارة ترامب إلى القاهرة بزيارة السيسي إلى واشنطن، وقد أخذت الأوصاف نفسها، وكرر الإعلام العبارات ذاتها التي قالها في زيارتي نيكسون وبوتين، نفس الحديث عن تاريخية الزيارتين، ونفس الحديث عن الكيمياء التي تجمع بين الرجلين، الأولى مع بوتين، وأخيراً مع ترامب.

أيتها “الكيمياء” كم ترتكب باسمك “الزيارات”.!