السايس

لا شيء يفوق تحقيق العدالة الاجتماعية صعوبة في مصر، إلا إيجاد مساحة لركن السيارة بحي الزمالك، ربما يزيد القضاء على الفساد مشقّة على ذلك الأمر أو يستوي به أحياناً، ولكن الحصول على فراغ محدود بأسفلت الحي الأرستقراطي العريق هو أمر أشبه بالمستحيل.

 

السيارات تبدو كصخور أزلية لم يأت بها منذ بدء الخليقة، أو كآثار فرعونية يستحيل نقلها من مكانها الذي اختاره الأجداد وإلا حلّت اللعنة، الحل الأول والأخير هنا في يد ذلك الكائن الأسطوري وتلك المهنة التي استحدثها المصريون ببعض التعديلات الطفيفة، السايس، الرجل الذي امتلك بعض المؤهلات بالإضافة لبعض الإرشادات التي يمكنه تلاوتها عليك دون أدنى فائدة، ولكنه أيضاً يستطيع أن يسلبك بعض المال وأحياناً قد يسلبك مفاتيح سيارتك لتُفاجأ أثناء تجديد رخصتك بعدد لا بأس به من المخالفات التي لم ترتكبها.

 

حسين لم يكن كذلك، فهو قليلاً ما يتحدّث، يعرف زبونه جيداً ويستنبط رغبة قائد السيارة في الحصول على “ركنة” فيقترب منه ببسمة صامتة مادّاً يده ليأخذ مفاتيح السيارة ليجد لها مكاناً من العدم، وبرغم قلة حديثه الذي ينحصر غالباً في الترحيب والشُكر، إلا أنه حدثني ذات ليلة عن معركة قامت بين شابين أمام الجراج تطوّرت فأدت إلى تحطم زجاج إحدى السيارات التي لم يتردد في تحمّل ثمن تصليحها، لم يكمل القصة وذهب سريعاً ليلحق بفتاة ليأخذ منها مفتاح السيارة وغاب فذهبت.

 

“ينفق السايس منّا الكثير في مقابل الحصول على مساحة يقف فيها” كانت المرة الأولى التي أعرف فيها أن السايس ليس مجرد “براشوت” يقفز على مساحة من الأرض ويجبر السيارات على دفع مبالغ في مقابل إبقاء السيارة في مكان آمن، الزملاء المحيطون بحسين قالوا إن الله قد رزقه بنعمة القبول، فكان يصادق السيدات اللاتي يزرن مطعم “ديلز” ومن خلالهن كان يثبّت أقدامه في المكان فلا تأتمن إحداهن على سيارتها سوى حسين، قيل أيضاً إن مهنة السايس اكتسبت أهميتها من حسين، حسين السايس، لم يكمل الثلاثين من عمره ولديه طفلين وزوجة ولا يعلم أحد أين تقطن الأسرة الصغيرة وكيف تحيا وربها يبيت ليلته في جراج العمارة المجاورة للمنطقة التي يتولى أمرها.

 

“يا باشا إن العُمر فرصة واحدة لا تتكرر، هل سمعت أن أحدهم عاش مرتين؟” قال ذلك لرجل كان يغادر العمارة المجاورة للمطعم مصطحباً كلبه، أراد حسين وقتها أن يبتاع كلباً من نفس النوع وسأل الرجل الذي تعجب لاستعداد حسين لتحمل تكلفة الكلب، هو لم يكن فيلسوفاً، ولا مثقفاً، ليس مخلوقاً أسطورياً من أولئك الذين نكتب عن كونهم خارقين للطبيعة الاجتماعية من حيث الاطلاع والوعي، هو مجرد شاب ذو كاريزما وقبول يعمل بمهنة تتسم غالباً بالجلافة وقلة الذوق، أو على أقل تقدير اللزوجة واصطناع اللُطف.

 

لم تجمعني به سوى سيجارة أعطيته إياها ذات مرة فدار حوار وحيد، سألني فيه عن سعر باكو التبغ ودفتر البفرة وكيس الفلاتر كي يدرس إمكانية تدخين هذا النوع من الدخان، كان نهماً في وسائل المتعة وتسلية الوقت، لا يرتدي ملابس للعمل كزملائه في مهنته التي تتسخ فيها الملابس بطبيعة الحال بعد ثلاث ساعات من العمل، ولم يبد عليه ما يجعلني أعلم بأنه مريض بالفشل الكلوي كي أنصحه بأن الإهمال في متابعة الحالة وغسيل الكلى قد يتسبب في كارثة، لم أعلم بالأمر إلا حينما وجدت صديقة لي تتحدث عن وفاة السايس حسين ليكتشف أصدقائه من الزملاء والزبائن بأنه كان مريضاً مُهملاً لحالته، والمؤكد أنني سأتجنب -ما استطعت- المرور في ذلك الشارع والذهاب إلى المقهى والمطعم.