التدليس في احتكام القضاة للرئيس

محمد سعد عبد الحفيظ
عقدت الجمعية العمومية لقضاة مجلس الدولة يوم الاثنين الماضي اجتماعا طارئا رفضت فيه مشروع قانون تنظيم تعيين رؤساء الهيئات القضائية الذي أقره مجلس النواب بصفة مبدئية.

وبعد مناقشات ومداولات أقرت الجمعية العمومية بالإجماع ومن خلال التصويت برفع الأيدي:
1- رفض مشروع القانون المقترح رفضا مطلقا لمساسه باستقلال القضاء.
2- الالتزام بمعيار الأقدمية المطلقة “لمن تختاره الجهة أو الهيئة القضائية” معيارا منضبطا ومستقرا ولد مع نشأة القضاء ما انفك لا يبارحه.
3- تفويض المجلس الخاص في اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة والمناسبة التي تؤكد استقلال القضاء وترعى مصالح الشعب ومصلحة الوطن.
4- إن الجمعية أيضاً في حالة انعقاد دائم لمتابعة ما تسفر عنه الأحداث واتخاذ ما يلزم بما يحفظ للمجلس استقراره وتقاليده القضائية.

إذن قضاة مجلس الدولة لم يوافقوا على الاحتكام إلى الرئيس في تلك القضية، بل بالعكس تم رفض المقترح عندما طرح للتصويت، رغم ذلك خرجت مانشيتات الجرائد في اليوم التالي لتعلن للرأي العام أن عمومية مجلس الدولة رفضت القانون وقررت الاحتكام إلى الرئيس.

ما جرى أن مقترح بند “الاحتكام للرئيس” ذكر في مسودة البيان النهائي قبل التصويت، وجاء في ديباجته: “إن الجمعية العمومية لمستشاري مجلس الدولة وإن كانت تقدر وتعي تماما أن السيد رئيس الجمهورية ليس طرفا في هذا الشأن، إلا أنه إعمالا لأحكام المادة 139 من الدستور والتي حددت اختصاصات رئيس الجمهورية رعاية مصالح الشعب فقد تعين الاحتكام إليه لوضع الأمور في نصابها الصحيح للحفاظ على مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء”، وبعدها تم طرح مقترح “الاحتكام إلى الرئيس” للتصويت على نحو 700 قاض ورفض بالإجماع.

في مداولات القضاة التي لم تخرج إلى العلن، هناك شبه إجماع أن الرئيس جزء من الأزمة المشتعلة بين السلطة التشريعية والسلطة القضائية، إذ يعلم الجميع أن البرلمان لا يتحرك دون توجيه من جهات بعينها أو على الأقل الرجوع إليها، تلك الجهات لا تبادر باختلاق أزمات مع مؤسسات كالقضاء تحديدا إلا بعد العودة إلى محرك خيوط اللعبة في “الاتحادية”، وبالتالي صوت القضاة على رفض مقترح “الاحتكام للرئيس” باعتباره جزءا من الأزمة وليس حلا.

لم يكتف القضاة برفض مقترح “الاحتكام للرئيس” في عمومية مجلس الدولة، بل طرح العشرات منهم مقترحاً بالتصويت مبكراً على ترشيح المستشار يحيى دكروري، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، كرئيس للمجلس ابتداءً من 1 يوليو المقبل، وإبلاغ رئاسة الجمهورية بهذا الترشيح، لقطع الطريق على أي محاولات للالتفاف على الأقدمية المطلقة، وهو ما يمكن وصفه بأنه تحدٍ معلن للجهات التي قررت إقصائه وفصلت قانون “الهيئات القضائية” خصيصا لقطع الطريق أمام توليه رئاسة مجلس الدولة، خلفا للمستشار محمد مسعود رئيسه الحالي.

المستشار دكروري رفض بنفسه طرح الاقتراح حتى لا يشخصن المسألة، وأشار في عمومية مجلس الدولة إلى أن أمر ترشيحه لم يدرج على جدول أعمال الجمعية وأن أمر ترشيح الرئيس الجديد للمجلس يجب أن تخصص له جمعية عمومية مستقلة كما جرت الأعراف القضائية.

إن ضمانات استقلال القضاء ليست ميزة للقاضي وإنما هي ميزة للمتقاضين، وتلاعب السلطة التنفيذية عبر أذرعها بالبرلمان والأجهزة في قوانين السلطة القضائية بما يفتح الباب أمام ضمان ولاء القضاة لها، يضرب فكرة التقاضي في مقتل ويشيع الإحباط بين عموم الناس ويفتح الطريق إلى الاحتكام للقوة وأخذ الحقوق بالذراع.