البرلمان والسعودية وراء استقالة النجار من الأهرام

تقدم أمس الأربعاء الدكتور أحمد السيد النجار باستقالته من رئاسة مجلس إدارة الأهرام، بعد ثلاث سنوات ترأس فيها تلك المؤسسة العريقة، وأعلن أن الأسباب الرئيسية لاستقالته هي التدخل المباشر في عمله من الهيئة الوطنية للصحافة، والتي شُكلت مكاتبها أمس برئاسة الكاتب الصحفي كرم جبر.

لكن تكهنات صحفية تم تداولها موخرًا تفيد بأن مجلس النواب انتهى من البت في قانون تشكيل الهيئات الوطنية من بينها الهيئة الوطنية للصحافة، خصيصًا من أجل الإطاحة بعدد من رؤساء مجالس إدارات صحف قومية كان “النجار” من بينهم.

النجار والبرلمان

قبل شهرين كان مجلس النواب ورئيسه علي عبد العال يشنان هجومًا عنيفًا على النجار ومؤسسة الأهرام كلها، بسبب هجوم الأخيرة على مجلس النواب وانتقاد سياساته، وقتها رد “النجار” على رئيس مجلس النواب قائلًا في منشور له على موقع التواصل الاجتماعي “فيس بوك”: عندما يتعلق الأمر بمسؤول لا يطيق أن تقوم الصحافة بدورها الرقابي والنقدي والكاشف للحقائق وهو جوهر دورها، وعندما يتعلق الأمر أيضًا بمسؤول لا يزن الكلمات قبل إطلاقها بغير علم بشأن مؤسسة عظيمة لم يحلم البعض أن يدخلها أو حتى يسير أمامها، فليس أمامي سوى الرد وبشكل رسمي، فما عاد في قوس الصبر منزع للصبر حدود، وقد تم تجاوزها بالفعل.

هذه الكلمات أشعلت عددًا من نواب البرلمان ضد النجار، من بينهم النائب مصطفى بكري الذي انتقد رئيس مجلس إدارة الأهرام مرارًا، سواء في جلسات البرلمان أو عبر برنامجه التليفزيوني، وكان هجومه آخر مرة على النجار قبل أيام حينما اتهم قرار النجار برفض طباعة العدد اليومي من الأهرام إلا بعد رفع مقالين لأحد كتاب الجريدة بأنه فضيحة كبرى، وطالب بإقالته من منصبه.

كانت هذه المؤشرات توحي بأن هناك صدامًا محتملًا سيقع بين ممثلي السلطة “الهيئة الوطنية للصحافة”، وأحمد السيد النجار، وزادت حينما وجهت الهيئة الوطنية للصحافة خطابًا في 16 إبريل الجاري للمؤسسات الصحفية القومية، تطالبها بعدم اتخاذ أية قرارات مالية أو إدارية أو قرارات تعيينات أو قرارات نقل أو توقيع جزاءات على أي من العاملين، حتي يتم إخطار المؤسسات بما يستجد.

“النجار” بدوره فطن لهذه الأزمة مبكرًا، وقرر أن يبادر ويستقيل قبل أن يقيله أحد، لأن الهيئة بقرارها الأخير قامت بتجميد عمل المؤسسات القومية، وقال النجار في استقالته التي أرسل منها نسخة للهيئة الوطنية للصحافة إنه لا يجوز منطقيًّا وقانونيًّا أن تتخذ الهيئة قرارًا مؤرخًا بتاريخ محدد، وتطلب تطبيقه بأثر رجعي قبلها بأربعة أيام، لأنه يعتبر مخالفًا للقانون، قائلا”ما تطلبونه مني بعدم اتخاذ أية قرارات مالية أو إدارية أو قرارات تعيين أو قرارات نقل أو توقيع جزاءات على أي من العاملين في المؤسسة هو طلب مخالف للقانون وتدخل في إدارة المؤسسة التي ينص القانون على أن مجلس إدارتها ورئيسه هم من يديرونها ماليًّا وإداريًّا، وبهذا الطلب أنتم تتدخلون فيما لا يعطيكم القانون الحق في التدخل فيه”.

النجار والسعودية

هناك مواقف سياسية اتخذها النجار من قبل كانت سببًا في زيادة فتيل الأزمة بينه وبين عدد من مؤيدي النظام الحالي، ففي أكتوبر من عام 2015 وقعت مشادة بين النجار بصفته رئيس مجلس إدارة الأهرام والسفير السعودي بالقاهرة أحمد القطان، في حفل عشاء بمنزل السفير الجزائري نذير الغرباوي، هذه المشادة انتهت بإلقاء كل منهما المياه على الآخر.

وبعد هذه الواقعة غادر السفير السعودي القاهرة، وقالت تقارير صحفية وقتها إن “خناقة” النجار معه هي السبب في المغادرة، وكان سبب المشادة أن حدث نقاش حول الأوضاع في المنطقة العربية، وهاجم النجار السعودية، وحمّلها مسؤولية ما يحدث في سوريا واليمن، ودافع عن إيران، واتّهم السعودية بقمع ثورة البحرين، فرد عليه سفير المملكة بالحديث عن الدور الذي تلعبه إيران في العراق واليمن، فاشتبك الطرفان، وألقى كل منهما المياه على الآخر.

وقال النجار مُعقبًا على تلك الواقعة “كنت أحافظ على كرامة بلدي، وكرامة مؤسسة الأهرام، التي عمرها 140 سنة، وبلدي هي الأقدم في العالم”.

كانت معارضة النجار للنظام السعودي سببًا كافيًا كي يثير قلاقل الموالين للنظام الحالي في مصر؛ لأنهم لا يريدون مشكلات مع السعودية التي تغدق عليهم الأموال، خصوصًا وأن الأهرام وقت تولي النجار مسؤوليتها كانت تنشر تقارير صحفية تُدين الدور الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في سوريا واليمن، بجانب نشر حوار لوزير الخارجية السوري، وليد المعلم، وهو الحوار الأول له في الصحافة المصرية، وأشاد خلاله بدور إيران تجاه أزمة سوريا.

النجار وتيران وصنافير

موقف النجار من أزمة تيران وصنافير هو الآخر أشعل غضب النظام ضده، لأنه من البداية كان رافضًا لاتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية، حيث اعترف بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، وكتب مقالات عدة كي يشرح انتماء الجزيرتين لمصر تاريخيًّا وجغرافيًّا واستراتيجيًّا من قبل أن تُبنى المملكة العربية السعودية من الأساس.

واتهم النجار كل من يقولون إن تيران وصنافير سعودية بأنهم يخونون دماء الشهداء المصريين التي سالت على الجزيرتين، وأنهم يبيعون أوطانهم من أجل حفنة دولارات.

موقف النجار لم يعجب عددًا كبيرًا من دوائر السلطة في مصر، خصوصًا أنهم لم يتعودوا أن يعارض سياساتهم رئيس لمجلس إدارة مؤسسة قومية تابعة للدولة كما فعل النجار.

هذا الموقف هو الذي اعتبره النجار في قرارة نفسه السبب الذي جعل النظام الحالي يُضيق عليه الخناق؛ كي يُجبره على استقالته من الأهرام، فكتب في ختام استقالته” لكم مؤسستكم ولي علمي واستقلال إرادتي وانتصاري للحقيقة وللعلم ولمصلحة الوطن ولوحدة ترابه من تيران وصنافير إلى السلوم ولقيم الحرية والتنمية والنزاهة والعدالة والاستقلال الوطني التي عشت عمري كله ساعيًا لتحقيقها”.