الإرهاب الأمريكي.. سيرة لا تنتهي

ما الذي نعرفه عن الإرهاب؟ متى ظهر وكيف تطور؟ وإلى أي أين سيصل بنا؟ هل تحارب الولايات المتحدة الإرهاب أم تصنعه وتدعمه؟ ما دور الإعلام وشركات تجارة السلاح في صناعة الإرهاب؟ هل الإرهاب يقتصر فقط على ما تمارسه الجماعات الجهادية الإسلامية أم هناك إرهاب أشد فتكًا وإجرامًا تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها في حروبهم على دول العالم الثالث؟

 أسئلة كثيرة تُطرح حول ما يعيشه العالم اليوم من حروب وقتال وعنف مستمر، ورغم تكرار هذه المشاهد على مدار العقود الماضية، إلا أن وتيرة الحياة المتسارعة، تجعلنا ننسى ما حدث بالأمس وننشغل باللحظة الحالية، فما يحدث اليوم في سوريا، قد حدث من خمسة عشر عامًا في أفغانستان والعراق، وقبل ذلك بسنوات في الصومال ونيكاراغوا، والمحصلة مئات الآلاف من القتلى وعشرات الملايين من الضحايا، ورغم الاختلاف الجغرافي والزمني بين تلك الحروب والمآسي الإنسانية، إلا أن ما يجمعهم هو كونهم جميعًا ضحايا لإرهاب الولايات المتحدة الأمريكية.

“أنا موجود هنا في أميركا، لأن بعض المتعصبين الدينيين الأصوليين من إنجلترا، جاءوا إلى هنا وبدأوا بإبادة السكان المحليين، ثم جاء بعدهم من تولى إبادة من تبقى منهم، لم يكن الأمر شأناً صغيراً، لقد أبادوا الملايين، وعندما كنت صبياً، كنت ورفاقي نلعب لعبة رعاة البقر (الكاوبويز)، كنا نحن (الكاوبويز)، وكنا نقتل الهنود الحمر، لم تكن لدينا أي فكرة أخرى تستهجن هذا الأمر”.

بهذه الكلمات الموجزة والمعبرة، يفتتح المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي كتابه “القوة والإرهاب جذورهما في عمق الثقافة الأمريكية”، الذي صدرت ترجمته العربية عن دار الفكر بدمشق عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، يتضمن الكتاب مقابلات وأحاديث أدلى بها نعوم تشومسكي لعدد من الكتاب والمحررين الصحفيين حول موقفه الرافض لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية وتدخلها في شؤون الدول الأخرى، كاشفًا عن دوافع الإرهاب المستترة بأقنعة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، ونزع أسلحة الدمار الشامل، وغيرها من الشعارات التي تسوقها الولايات المتحددة لتبرر تسلطها وهمينتها وممارستها للعنف والقتل والإرهاب بصورة ممنهجة.

إرهاب الأقوياء

في هذا الكتاب يفكك تشومسكي مصطلح الحرب على الإرهاب، واصفًا إياه بالعودة إلى البربرية الحديثة، موضحًا أننا لانستطيع مخاطبة إرهاب الضعفاء ضد الأقوياء دون مواجهة “الإرهاب الشديد، إلى حد لايوصف، الذي يمارسه الأقوياء ضد الضعفاء”، وفي هذا السياق يرصد تشومسكي مدى الدمار والإرهاب الذي مارسته الولايات المتحدة على مدار العقود الماضية، وأثاره المدمرة على عشرات الدول ومئات الملايين من البشر، منذ بدء استراتيجية الحرب على الإرهاب التي تم ترويجها بقوة في بداية الثمانينات في الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس ريغان، كمدخل رئيسي لتبرير التدخلات والحروب التي تقودها الولايات المتحدة في مناطق مثل أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط.

يكشف الكتاب أيضًا عن مدى هيمنة الإعلام الأمريكي والغربي وقدرتهم على تقديم سرديات تاريخية مضللة، فضلًا عن إلهاء شعوب العالم بأمور وقضايا كثيرة تافهة، بينما تدمر دول بأكملها ويُقتل مئات الملايين من البشر دون أن ينتبه أحد، وعندما يحاول بعض أبناء تلك الدول مواجهة الأرهاب الأمريكي يضخم الإعلام من جرائمهم التي لا يوجد أدنى وجه مقارنة بينها وبين الجرائم الأكثر بشاعة التي ترتبكها الولايات المتحدة والتي يتم تجاهلها.

يشير تشومسكي إلى أن هناك منهجيين رئيسيين تتبعهما الولايات المتحدة في ممارستها للإرهاب والعنف المفرط على الشعوب والدول الفقيرة أحدهما مرتبط بالمساعدات والمعونات العسكرية والاقتصادية ومن خلالها يتم التدخل في شؤون تلك الدول عبر الدخول في تحالفات مع الجنرلات العسكريين ورجال الأعمال بحيث يكونوا أداة لممارسة العنف وإرهاب المواطنين وحماية مصالح الولايات المتحدة في استغلال وسرقة ثروات هذه الشعوب، ويضرب مثال على ذلك بالعلاقة الوطيدة بين الولايات المتحدة والعديد من الحكومات العسكرية والديكتاتورية في أمريكا اللاتنية، موضحًا كيف تستخدم الولايات المتحدة شعارات مضللة مثل “تحسين المناخ الاستثماري” في دول العالم الثالث، كمدخل آخر لممارسة إرهابها على شعوب تلك الدول، ومن أجل تحسين المناخ الاستثماري فهذا يتطلب “قتل منظمي الاتحادات العمالية واغتيال زعماء الفلاحين, ونسف البرامج الاجتماعية، تلك هي القواعد لتحسين المناخ الاستثماري.

أما المنهج الآخر فهو استخدام القوة العسكرية بشكل مباشر، وهذا يحدث مع الدول التي لا تملك جيشًا ينفذ أعمال الإرهاب ضد شعبه بالنيابة عن الولايات المتحدة، وفي هذا السياق يرصد تشومسكي مجموعة من الحروب والجرائم التي ارتكبتها الولايات المتحدة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي في أمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى ثم كررتها في التسعينات وبداية الألفية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، من أبرز هذه الجرائم الهجوم الذي شنته على نيكاراغوا، وأسفر عن مئات الآلاف من القتلى وتدمير البلاد تدميرا كاملا، وأصبحت نيكاراغوا الآن ثاني أفقر دولة في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية, وقد أدانت المحكمة الدولية الولايات المتحدة بالإرهاب الدولي بسبب (استخدام اللاشرعي للقوة) ولانتهاكها المعاهدات في حربها ضد نيكاراغوا, وطالبت الولايات المتحدة بوقف الحرب ودفع تعويضات.

 وجاء رد فعل أمريكا على قرارات المحكمة الدولية بتصعيد الحرب (بتأييد من الحزبين) فأعطت أوامر رسمية لأول مرة بمهاجمة ما يسمى (الأهداف اللينة) مثل المستوصفات الصحية والتعاونيات الزراعية, واستمرت هذه الحرب إلى أن صوت شعب نيكاراغوا في النهاية للمرشح المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية رئيسا للبلاد فتوقف الرعب في عام 1990، ويختتم تشومسكي كتابه مشيرًا إلى أن “الزعيم الحالي للحرب على الإرهاب هو الدولة الوحيدة في العالم التي أدانتها المحكمة الدولية بالإرهاب”.

الحروب القذرة

رغم محاولات الولايات المتحدة تغيير صورة سياستها الخارجية في فترة حكم باراك أوباما، بالإعلان عن سحب القوات الأمريكية من العراق ثم من أفغانستان، وعن ضرورة الاعتماد على أساليب بديلة غير استخدام القوة العسكرية، إلا أن الصحفي الأمريكي جيمي سكاهيل يكشف في كتابه “الحروب القذرة” مدى كذب هذه الشعارات والسياسات، فعبر تتبعه للعمليات العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة في كل من الصومال واليمن والعراق وأفغانستان تحت شعار الحرب على الإرهاب، يرصد سكاهيل كيف تضاعفت أعداد فرق الاغتيالات حول العالم من 5 آلاف في عهد بوش، إلى أن أصبحت 25 ألفًا تعمل في مختلف دول العالم على قائمة مطولة تضم مواطنين من مختلف الجنسيات يتم اختراق المجال الجوي لدولهم وتصفيتهم دون محاكمة.

 ويشير سكاهيل إلى أن عدد الضحايا من المواطنين الأبرياء نتيجة قصف الطائرات دون طيار وهجمات صواريخ كروز الأمريكية، يتجاوز مئات الآلاف على مدار الخمسة عشر عاما الماضية، موضحًا أن تلك العمليات كانت تتم بموافقة شخصية من أوباما قبل أن يوكل الأمر إلى  إدارة “سي آي إيه” بعد توسع القائمة بشكل كبير، ويشير سكاهيل إلى الدور الكبير الذي يلعبه الجنرال الأمريكي، جون برانون، العقل المدبر لبرنامج القصف باستخدام الطائرات دون طيار، الذى يعقد اجتماعًا في البيت الأبيض كل ثلاثاء في اجتماع يطلق عليه «ثلاثاء الإرهاب» يتم من خلاله تقرير من يعيش ومن يموت على كوكب الأرض عبر كتابة أسماء المستهدفين على كرات البيسبول فى لعبة أشبه ما تكون بلعبة الموت.

ويرى سكاهيل أن جميع صور الإرهاب التي نراها اليوم ما هى إلا نتيجة لما تمارسه الولايات المتحدة من حروب قذرة وإرهاب مستمر بحق شعوب ودول كثيرة، دون أي محاسبة، ولكي تتوقف آلة الإرهاب التي تنتشر وتستهدف العديد من الدول الغربية حلفاء الولايات المتحدة، يجب إيقاف ومحاسبة صانعي الإرهاب وداعميه من رجال السياسية والجنرلات العسكريين ومصنعي الأسلحة في الولايات المتحدة.