“الأشغال الشاقة” في تيران وصنافير

لم تكف طاحونة الانتهاكات الدستورية التي تمارسها العديد من الأجهزة والمؤسسات عن الدوران منذ إقرار الدستور نفسه عام 2014، بداية من عدم تقديم الرئيس لإقرار الذمة المالية عن العام الأول لحكمه بحسب المادة 145، والقبض على الشباب بالمخالفة للمادة 54، ورصد عمليات تعذيب بتقارير طبية، واعتقال أطفال بتهمة ازدراء الأديان، حتى وصلت هذه الانتهاكات إلى محطة تيران وصنافير، والتى يرى قانونيون أنها تهدد مرتكبيها بعقوبات تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة!

طبقا للمادة 151 من الدستور “لا يجوز لرئيس الجمهورية إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة”، كل ما يحق له في هذا المجال أن “يبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب”، ولكن ما حدث فى اتفاقية تعيين الحدود البحرية مع السعودية أن رئيس الوزراء لا رئيس الجمهورية هو الذي وقعها بالمخالفة للدستور، رغم حضور الرئيس نفسه حفل التوقيع، وهو إجراء شكلي لكنه يسقط الاتفاقية دستوريا.

أما النقطة الأهم فإن الاتفاقية تتضمن “تنازلا” عن أراض مصرية، بالمخالفة لنص الدستور، بعد أن قضت المحكمة الإدارية العليا في حكم نهائي وبات بمصرية الجزيرتين، وردت في حيثيات حكمها التاريخي على كل ما يثار بعدم اختصاصها بنظر القضية بزعم أن توقيع هذه الاتفاقية عمل من أعمال السيادة، حيث قالت المحكمة إنه “بعد سقوط نظرية الحكم الإلهي بعد الثورة الفرنسية فقد استقر في الوجدان القانوني أن صاحب السيادة هو مجموع المواطنين، ولم تعد هيئة من هيئات الدولة مالكة للسيادة وإنما تباشرها كوكيلة عن الشعب”، منتقدة توسع السلطة التنفيذية في أعمال السيادة بالمخالفة للأعراف الدستورية المستقرة، في حين يرى فريق كبير من القانونيين المعارضين للاتفاقية أنها تهدد بوضع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء تحت طائلة المادة 77 من قانون العقوبات التي “تعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة كل شخص كلف بالتفاوض مع حكومة أجنبية في شأن من شؤون الدولة فتعمد إجراءها ضد مصلحتها”.

وحتى بعد حكم محكمة مستأنف القاهرة بإسقاط حكم الإدارية العليا، فقد أقر كل فقهاء القانون أن هذه المحكمة تصدر أحكاما وقتية وبالتالي فهي غير مختصة بنظر حكم الإدارية العليا، كما أنه من ناحية أخرى، فإنه لايجوز لأي جهة بأي حال من الأحوال إحالة الحكمين إلى المحكمة الدستورية لتفصل بينهما، لأن المادة 191 من الدستور تنص على أن محاكم مجلس الدولة تختص دون غيرها بنظر منازعات التنفيذ على أحكامها، وأن المحكمة الدستورية المنوط بها أساسا مراقبة دستورية القوانين لا يمكن أن تتورط في هذا الإجراء غير الدستوري!

ورغم أن الحكومة كما يقول المحامي خالد علي استغلت حكم محكمة الأمور الوقتية كستار قانونى لإرسال الاتفاقية مع السعودية لمجلس النواب، والتي أحالها رئيسه د. علي عبد العال للجنة التشريعية والدستورية، فقد وصف تكتل 25 – 30 بالمجلس إحالة الاتفاقية للبرلمان بالمشبوه وغير الدستوري، مؤكدا أن هيئة مكتب المجلس تحرج النواب بإصرارها على مناقشة اتفاقية معدومة الوجود بحكم المحكمة، وهو ما يضع المجلس كله في مواجهة مع جموع الشعب المصري الرافضة للاتفاقية.

ما يثير الدهشة أن النظام في مصر يمتنع عن تنفيذ أحكام قضائية نهائية وباتة، ويغامر بانتهاك الدستور، ويفتح المجال على مصراعيه لصدام عنيف بين السلطتين القضائية والتشريعية؛ من أجل التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، رغم أنه بحسابات الجغرافيا والتاريخ، لا يوجد أدنى شك في مصريتهما، فالأطلس التاريخي للعالم يؤكد تبعيتهما لمصر منذ أيام الفراعنة، وخريطة نابليون تؤكد ذلك أيضا، واتفاقية 1906 مع الدولة العثمانية أكدت مصرية الجزيرتين، بل وحتى كل الخرائط السعودية، قبل توقيع الاتفاقية، كانت تضعهما ضمن الحدود المصرية!

هناك شيء غامض في سلوك النظام يفتح شكوكا واسعة حول ارتباط سعيه للتنازل عن الجزيرتين بترتيبات إقليمية ترعاها أمريكا لتطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج، وبتصفية القضية الفلسطينية بما يخدم أهداف واستراتيجيات الكيان الصهيوني، هناك أيضا ما يشبه الألغاز تربط هذا التنازل بـ”صفقة القرن” التي أشار إليها الرئيس السيسي بشكل غامض خلال مؤتمره الصحفي مع نظيره الأمريكي، وقبل ذلك بلقاء العقبة السري الذي عقده العام الماضي مع بنيامين نتنياهو والعاهل الأردني عبدالله، والذي ترددت شائعات حول مشاركة مسؤول سعودي كبير في فعالياته.

الشهور المقبلة كفيلة بكشف كل هذه الأسرار والألغاز، ولكنها أيضا قد تحمل مفاجآت قد تقلب المائدة على رؤوس الجميع بسيناريوهات صاخبة  قد لا يتحمل أحد حدوثها في مصر!