إنما جعلت «الطوارئ» للتأمين لا للترويع

الأصل في الطوارئ أنها إجراءات استثنائية، تسمح لسلطات تطبيق القانون أن تنفذ نصوصه وأحكامه على هؤلاء الذين يشكلون حالة تهديد خطير على الوطن والمواطنين، وليس من بين أهدافها، في أي حال من الأحوال، أن تطلق يد السلطة في إهدار حقوق المواطن أو الجور عليها، فإنما جُعلت “الطوارئ” للتأمين، لا للترويع، وشُرعت لأمن المجتمع، لا لتوحش السلطة، وهي تنشأ لمواجهة حالة طارئة، ولمدة محدودة، ومحددة، وبإجراءات نص عليها الدستور، وبأحكام وردت سلفاً في قانون الطوارئ.

 

وبكل أسفٍ أقول إن من يتابع التعامل الإعلامي الذي تقوده أبواق السلطة الذين ينصبون من أنفسهم متحدثين رسميين لها على شاشات الفضائيات لابد أن يصيبه الفزع كل الفزع من تقديم هؤلاء لقرار فرض حالة الطوارئ في مصر في صورة عودة القانون الأم الذي سارت عليه كل الحكومات في السابق، وكأنه بغير الطوارئ لا يستقيم الحكم، وكأن الطوارئ هي القاعدة، والقوانين العادية هي الاستثناء الثقيل على قلب الحكومة، وتجهد بعض تلك الأبواق نفسها من أجل إيجاد الشبه بما ينادون به وبين ما يجري في بلادٍ متقدمة واجهت بعض ما نواجه على أرضنا من عمليات خسيسة يرتكبها ذلك الإرهاب الأعمى وتلك العصابات الضالة التي ترتدي عباءة الدين لتمارس أبشع وأفظع وأخس جرائمها.

 

الفارق كبير بين ما ينادون به، وبين ما يجري في تلك الدول، خاصة الدول التي تقدس حكوماتها مبادئ سيادة القانون واحترام الدستور وضمان حقوق المواطنين وحرياتهم.

 

هو نفسه الفرق بين حكومات تعبر عن إرادة المواطنين، وتهدف إلى فرض الأمن لمصلحة المجتمع، وبين الحكومات التي تسعى إلى فرض سطوتها وسيطرتها على المجتمع، وتقدم أمن السلطة، وتؤخر أمن المواطن.

 

طبعاً لن يعدم مثل هؤلاء أمثلة من حكومات تضرب عرض الحائط بالقانون والدستور، وهي نماذج كنا نحسب أننا ابتعدنا عن أن نقارن أنفسنا بها بعد ثورة 25 يناير 2011.

 

لقد رأيت وسمعت بعض هؤلاء وهو يعدد في الإجراءات الاستثنائية التي يبيحها قانون الطوارئ في تشفٍ ونزق واضحين، سعيداً بكل ما هو استثنائي، حتى أن بعضهم قال إنه يؤيد سياسة القتل لا القبض على المشتبه في تورطهم بالأعمال الإرهابية، وهي السياسة التي كان يسميها بعض وزراء الداخلية السابقين “سياسة الضرب في سويداء القلب”.!

 

وأحسب أن مثل هؤلاء لا يفيدون نظاماً، أي نظام، بل هم على الحقيقة يورطون الأنظمة في سياسات أقل ما يقال عنها أنها خاطئة وقد ثبت خطأها بدل المرة ألفاً.

 

وللأسف أننا ما زلنا نقلد فعل النعامة، وما زلنا نتعامى عن الأسباب الحقيقية وراء كل ما يجري، وما زلنا نتعامل بنفس الطرق القديمة، والعجيب أن يتوقع بعضنا أننا بهذه الأساليب القديمة يمكن أن نجني نتائج مغايرة.

 

الإرهاب ليس وحده هو قضية أمننا الوطني، بل ربما هو النتيجة الطبيعية لكل مشاكل وقضايا الأمن الوطني الحقيقية والمغيبة بكل أسف عن الساحة إما عجزا أو تقصيرا.

 

الإرهاب عَرَض لأمراض استوطنت في المجتمع المصري ولا علاج لظاهرة الإرهاب إلا بالتعامل الواجب مع قضايا أمننا الوطني على الجملة وليس بالقطاعي.

 

الفقر والعوز قضية أمن وطني، وهو المفرخة الأساسية لتخريج دفعات جديدة من الساخطين على المجتمع الخارجين على القانون المهددين لأمن المواطنين وسلامة الوطن.

 

والتعليم قضية أمن وطني، بل إن تقريراً شهيرا وضعه الخبراء والمتخصصون في الولايات المتحدة الأمريكية منذ ثلاثة عقود حول حالة التعليم في البلاد وكان عنوانه “أمة في خطر”، فما بالنا وحال التعليم في مصر في أفضل حالاته لم يرق في يوم من الأيام إلى الحالة التي وصفها ذلك التقرير في أمريكا بأنها أمة في حالة خطر حقيقية.

 

والمواطنة قضية أمن وطني، وعدم التمييز بين المواطنين حكم دستوري ومبدأ إنساني، ودعوة صدحت بها كل الأديان وأقرتها كل القيم الإنسانية، ونشر ثقافة قبول الآخر قضية على مستوى عال من التأثير على أمننا الوطني.

والفساد قضية أمن وطني، قبل أن تكون قضية اقتصادية، وبدون القضاء عليها أو الحد من انتشارها لن تنصلح أحوال كثيرة أولها أحوال الاقتصاد المتردية، وليس آخرها أوضاع القيم المهترئة.

 

واحترام الدستور، وسيادة القانون قضية أمن وطني، وتعديل السياسات الأمنية الفاشلة قضية أمن وطني ملحة وعاجلة.

 

ربما تجد السلطة نفسها مع تزايد وتيرة العمليات الإرهابية مضطرة لاتخاذ التدابير والإجراءات التي تكفل تأمين المجتمع، وهو أمر لا غبار عليه، وربما يجده الكثيرون مبررا، ولكنها لابد أن تدرك أنها محكومة في كل الأحوال بأحكام الدستور، تقيس عملها عليه، وترجع شرعية ما تقوم به إلى نصوصه، وهذا هو المحك الذي توضع فيه السلطات في مثل هذه الحالات، وهو المعيار لشرعية قراراتها ومشروعية إجراءاتها.

 

لا يوجد عاقل واحد في البلد لا يدين هذا الإرهاب، مرتكبيه ومموليه والواقفين وراءه، على السواء، ولكننا نتعامل مع واحدة من أخطر الظواهر التي تواجهنا جميعا بخفة، نجتمع على هوجة صارخة ومتدافعة ومندفعة في طريق خطر، ثم يهمد كل شيء مع توقف عمليات الإرهاب، لنعاود الكرة مرة أخرى عند كل عملية جديدة!

 

لم يعد أمامنا وقت نضيعه في تجريب المجرب، ولا في تنفيذ روشتات تزيد تفاقم المرض ولا تعالجه، ونحن في أمس الحاجة إلى الكثير من الجدية، للقضاء على الإرهاب واقتلاع جذوره، ولست أرى، وقد كنت معاصراً لموجات إرهابية ضربت مصر في السنوات الثلاثين الماضية، أن هناك طريقاً للخروج من هنا غير الطريق العكسي لكل ما يتم الآن من إجراءات، المطلوب أن نواجه مشاكلنا بالسياسات، وليس بالإجراءات، موت السياسة حياة للإرهاب، وغلق المجال العام فتحٌ لكل مجالات التطرف، والطوارئ وحدها لم توفر الأمن في سيناء، وهي وحدها لن توفره في الدلتا والصعيد.

 

فرصة أخيرة لتعديل المسار وعدل السياسة المقلوبة، جربنا الطرق القديمة طويلا فلم تفلح، جربوا ولو مرة واحدة الطريقة الصحيحة، التي تبدأ من جمع المصريين على قلب رجل واحد بمشروع جامع، وبمواجهة شاملة ضد كل الأخطار التي تحدق بنا جميعاً.

المشاركة السياسية والانفتاح الجاد على كل القوى الوطنية وتشجيع قوى المجتمع المدني للقيام بأدوارها، وإطلاق الحريات العامة والخاصة، لا الحد منها والتضييق عليها، كل ذلك يمثل واحدة من أهم حارات الطريق للخروج من الأزمة الشاملة.

 

تحقيق التنمية المستقلة، وإطلاق طاقات المجتمع في العمل وتحول مصر إلى ورشة عمل كبرى تضمن تشغيل الشباب وتوفر العيش الكريم لكل المواطنين هو الحارة الرئيسية لطريق الإنقاذ.

 

بدون هاتين الحارتين فنحن نمضي في الطريق الخطأ، ولن تصل مسيرة الوطن إلى محطتها المأمونة والمأمولة.

اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد..