أردوغان والتعديلات الدستورية.. تركيا بين الاستقرار والانقسام

بينما يصوت الشعب التركي في استفتاء تاريخي اليوم على تعديلات دستورية من شأنها تعزيز صلاحيات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يؤكد مراقبون أن هناك أوراقا رابحة وخاسرة للإدارة التركية في هذه المعركة الصعبة.

التنمية الاقتصادية والاستثمار

مرت تركيا بحقبة اقتصادية مميزة جدًا في الفترات الأولي من حكم أردوغان حينما كان رئيسًا للوزراء، ومازالت مسوغا للاستمرار يستغله المسؤولون الأتراك وأعضاء حزب العدالة والتنمية، مشددين على أن إقرار التعديلات سيتيح تعزيز النمو في البلاد.

وصرح رئيس الوزراء التركي، بن علي يلدريم، قبل ساعات من فتح صناديق الاقتراع، بأن بلاده “ستصبح وجهةً للمستثمرين، عقب التصويت لصالح التعديلات الدستورية، في الاستفتاء الشعبي، معتبرا أن إقرار التعديلات سيعزز الاستقرار والنمو الاقتصادي لتركيا.

كان واضحا، خلال الأيام القليلة الماضية، أن حزب أردوغان يعتمد على ورقة أساسية لها علاقة بالوعود الخاصة بالتنمية الاقتصادية بعد تجربة كانت ناجحة نسبيًا في هذا المجال قبل السياسات التركية المتخبطة داخليًا وخارجيًا، ووضح ذلك عندما تعهد رئيس الوزراء، بمواصلة المشروعات التنموية في البلاد، وعدد في خطاباته الأخيرة الإنجازات التي حققها حزبه (العدالة والتنمية الحاكم) على مدار الأعوام الـ15 الماضية، والنقلة النوعية التي أحدثها في البلاد على مختلف الأصعدة.

أما الرئيس التركي أردوغان، فقد تحدث في الإطار نفسه قائلا إن من أهم شروط تحقيق التنمية توفر الاستقرار السياسي، الذي كانت تفتقده تركيا قبل تولي حزب العدالة والتنمية السلطة، وقال في خطاب جماهيري إن الخط البياني للاقتصاد التركي بدأ بالتصاعد منذ عام 2002، تاريخ وصول حزبه للسلطة، مذكرا بإنجازات عهده على صعيد البنية التحتية والتعليم.

تدهور العلاقات الخارجية

أبرز العقبات التي تمثل عائقًا أمام المواطن التركي للتصويت بنعم وهي أن تركيا تمر بأصعب فتراتها فيما يخص علاقاتها الخارجية، فبينما التزمت أنقرة في أوائل الألفية مبدأ “صفر مشاكل” مع الدول المجاورة، إلا أنها تمر في الفترة الراهنة بفترة سيئة لا سيما مع شركائها الأوروبيين والولايات المتحدة الأمريكية.

كما من المتوقع في حالة التصويت بنعم فإن تركيا ستواجه عاصفة من النقد الغربي، قد يكون مؤشرا إلى الاصطدام الأكبر مع الخارج، حيث يمكن بسهولة استشراف مطبات قادمة، بالنظر إلى تقييم الأوروبيين والأمريكيين للتعديل الدستوري من زاوية توسيع صلاحيات أردوغان وقمع معارضيه وسوء أوضاع حقوق الإنسان.

الناطق باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر، قال إن بلاده تتابع الاستفتاء في تركيا عن كثب وإنها “قلقة على الديمقراطية”، كما كانت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قد صرحت بأن ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي “سيبت فيه بعد نتيجة الاستفتاء” بما يشير إلى تهديد مبطن في حال إقرار النظام الرئاسي.

ويرى مراقبون أن تركيا قد تجد نفسها مضطرة إلى إغلاق ملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي المستمر منذ أكثر من 50 عامًا دون نتيجة أو أي تقدم ملموس، وأشار الرئيس التركي إلى ذلك حين تحدث عن فكرة “الجلوس مع الأوروبيين للتفاهم” في حال أقر التعديل الدستوري بنسبة عالية، وقال وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو، أيضا إن بلاده ستقدم “العرض الأخير” على الاتحاد فيما يخص تحرير تأشيرة شينجن في يونيو القادم 2017، ما يعني أن الاصطدام قد يحدث مباشرة بعد الاستفتاء.

كما أشارت الصحف التركية إلى أنه في حال أقرت التعديلات الدستورية فهذا يعني انتقال الإدارة التركية إلى الاشتباك أكثر في ملفات سوريا والعراق والتدخل العسكري المباشر، وقال موقع تركيا برس، إن تركيا بعد إقرار الدستور وفي ظل حالة الشعور بالقوة والاستقرار، ستعود للاهتمام بمحيطها بشكل أكثر فعالية، وهو ما يعيد إلى الطاولة سيناريوهات معركة الرقة وإمكانية مشاركة أنقرة فيها، فضلا عن تحذيراتها المتعلقة بمنبج في سوريا التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية وسنجار في العراق التي يرغب حزب العمال الكردستاني في السيطرة عليها.

الانقسام الداخلي

فيما حذرت كافة الصحف من الانقسام الداخلي الذي تشهده تركيا في الفترة التي سبقت الاستفتاء، حيث يتضح من استطلاعات الرأي أن تركيا متجهة إلى التفرقة أكثر فأكثر، فمن جهة  سيكون من المنطقي توقع عدم استسلام الأحزاب السياسية التي عارضت التعديل الدستوري، وخصوصا حزب الشعب الجمهوري، بيد أن هناك قوى معارضة أخرى قد لا تلتزم بتقبل الخسارة والإقرار بالنتيجة، إذ ثمة بعض الإشارات لاحتمالات تصعيدها للموقف سياسيا في البرلمان وجماهيريا في الشارع.

وهدد كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري قبل أشهر بأن النظام الرئاسي “لن يقر في تركيا إلا بإراقة الدماء”، ثم قال زعيم المعارضة السابق دنيز بايكال، في لقاء تليفزيوني إن تعديل الدستور يتطلب توافقا واسعا ويحتاج إلى نسبة موافقة تتخطى 70% لإقراره، ما يعني أن الاقرار بأقل من هذه النسبة قد لا يكون معترفا به.