أردوجان .. واستدعاء سليم الأول

فور إعلان نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية توجه الرئيس التركي إلى قبر السلطان محمد الفاتح ومنه مباشرة إلى قبر السلطان سليم الأول في زيارتين سريعتين بالغتي الدلالة مفتوحتين على نهر من التساؤلات المتوجسة داخليا وخارجيا.. قبل أن يزور قبور أربكان ومندريس وأوزال قارئا الفاتحة وتاليا لآيات من القرآن الكريم، ومؤديا لصلاة الشكر.. بدا أردوجان  منتشيا بالانتصار الذي حققه تداعبه أحلام التوسع بعد الاستئثار الكامل بالسلطة كما بدا مستدعيا لماض سحيق تغذيه أوهام القوة مع حضور استثنائي واستفادة قصوى من وضع إقليمي ودولي مرتبك.

لا تفلح كثيرا محاولات البعض في تجميل تاريخ تلطخه الدماء.. ليست دماء الخصوم فحسب بل دماء أقرب الأقربين، “فحسب الوثيقة الخاصة بالسلطان محمد الفاتح، التي استند في اصدارها إلى علماء عصره، يمكن للأخ الأقوى قتل إخوانه الآخرين من أجل الوصول إلى سدة الحكم ورأب الفتنة المتوقعة جراء الخلاف على العرش”.

ربما كانت تلك الفتوى التي استصدرها السلطان محمد الفاتح من علماء زمانه، أحد أهم الأسباب التي جعلت الحالم باستعادة الأمجاد يستنزل الرحمات على ساكن الضريح، وهو يردد آي الذكر الحكيم، قبل أن يتوجه إلى قبر أول مستفيد حقيقي من تلك الفتوى الدموية، وهو العاصي الخارج على حكم أبيه ” يووز سليم” الذي سيلقب بعد ذلك بالسلطان سليم الأول، يعني اسم “يووز” “حاد المزاج” وليت الأمر اقتصر على ذلك، فمنذ أن كان “يووز” واليا على “طرابزون” لم يتوقف عن كسر هيبة السلطان والدولة، حتى أن شن الغارات، وضم الأراضي، وعدم تسليم المغانم لبيت المال.. كانت من الأمور التي دأب الأمير اليافع على ارتكابها دون اكتراث.

“المآذن حرابنا، والقباب خوذاتنا، والمساجد ثكناتنا، والمؤمنون جنودنا، لا شيء يهزمنا، لو فتحت السماء، وتدفق علينا الطوفان والبراكين، إن أجدادنا الذين افتخروا بدينهم لم يركعوا لأحد” كلمات للشاعر “زيا جوكالب” رددها أردوجان عندما كان رئيسا لبلدية اسطنبول عام1999،كانت سببا في إيداعه السجن ويبدو أن هذه التجربة قد علَّمت الرجل -الذي كان وثيق الصلة بنجم الدين أربكان أبرز زعماء تيار الإسلام السياسي في تركيا – درسا وعاه جيدا مما دفعه للتواجد بشكل أكبر بين “العصاة” مكتفيا أغلب الأحيان بـ “أضعف الإيمان” ليحظى بدرجة أعلى من القبول عند غالبية الأتراك من ذوي التوجهات العلمانية. فعندما نشاهد تلك الصور التي يظهر فيها السيد أردوجان وسط “الكاسيات العاريات” أو بين حاملي كؤوس الشراب، أو حتى وهو يبدي وقارا مصطنعا أثناء زيارته لقبر “تيودور هرتزل” بالأرض المحتلة.. نتذكر على الفور قول السيد المسيح “لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَارًا بَلْ خُطَاةً إِلَى التَّوْبَةِ» هكذا يبدو أردوجان التقي في تلك المشاهد بين الخطاة.

يذكر أنه أثناء التنازع على العرش بين “يووز سليم” وأبيه “بيازيد” الثاني وأخويه أحمد و”كوركود” تم التوصل إلى اتفاق بين الابن وأبيه، بعدم تسمية الأمير أحمد وليا للعهد، على أن يدخل” يووز سليم” في طاعة السلطان مجددا، وعلى إثر الاتفاق أمره السلطان بسرعة التوجه بجيشه لإخضاع الصرب والمجر؛ لكن “يووز سليم” ماطل في تنفيذ الأمر، ثم ما لبث أن عصاه، قبل أن يدخل مجددا في صراع على العرش، لن يحسمه إلا بقتله أخويه الأمير أحمد، والأمير “كوركود”.

جولن وأردوجان قبل الصدام

لم ينجح الرئيس أردوجان في التخلص من معارضيه من السياسيين وجنرالات الجيش وكبار مسئولي الدولة التركية فقط، بل تجاوز ذلك إلى الإطاحة بأصدقاء الأمس، وأكثر الداعمين له ولحزبه مثل محمد فتح الله جولن مؤسس حركة خدمة التي دعمت حزب أردوجان دعما قويا على مدى أكثر من اثني عشر عاما، ولم يتورع أردوجان عن إلصاق التهم بالحركة ومنها انتماء قاتل السفير الروسي في تركيا إليها، بل أنه طالب الولايات المتحدة بتسليم جولن الذي يعيش هناك منذ 1999، ليس هذا فحسب بل إن أشخاصا يعتبرون بمثابة رفاق درب كـ عبد الله جول، وأحمد داود أوغلو..أنهى أردوجان أدوارهم بطريقة دراماتيكية.

سنرى بعد ذلك أن أطماع السلطان سليم الأول كانت موجهة لديار الإسلام لا لديار الكفر حسب ما كانت الدولة العثمانية -على عهد السلطان “بايزيد” الثاني- قد اعتمدت من قوانين للحرب التي تشنها الجيوش العثمانية، بدأ سليم الأول عهده بالحرب على إيران وانتصر في موقعة “تشالديران” وكان يعتزم التوجه بجيشه إلى عاصمة الدولة الصفوية، لكن الظروف المناخية، ونقص المؤن هو ما جعله يرتد سريعا نحو إسطنبول.

وكانت حربه التالية على ديار الإسلام في مصر والشام والتي استطاع خلالها إسقاط دولة المماليك التي كانت تخوض حربا ضد الأطماع الأوروبية في المنطقة، وكانت تحظى بدعم وتأييد أبيه، ولم يلتفت مجددا إلى مخالفة ذلك لقانون الحرب العثماني، فتقدم بجنوده لملاقاة جيش المماليك واستطاع أن يقهره بالاستعانة بالولاة الخونة كـ جان بردي الغزالي وخاير بك، وغيرهم، كما استعان بالحرب النفسية وإرهاب المدنيين بنشر أخبار المذابح التي كان جنوده يرتكبونها في البلاد المنكوبة.

الخريطة المزعومة

في أواخر عام2016، قامت وزارة التربية والتعليم التركية بإعداد خريطة جديدة لتركيا ووزعتها على طلبة المدارس الابتدائية في اسطنبول، وقد ضمت الخريطة ثلت أراضي العراق تقريبا تحديدا ما كان يعرف في عهد الدولة العثمانية بولاية الموصل، بالإضافة إلى مدينة حلب والجزيرة السورية، التي كانت معروفة آنذاك بولاية حلب، كذلك اشتملت الخريطة التركية “الرسمية” الجديدة على أجزاء من جورجيا وأذربيجان وقبرص بالإضافة إلى عدد من الجزر اليونانية في البحر الأبيض المتوسط.

بعد دخول السلطان سليم الأول القاهرة، أرغم الخليفة العباسي المتواجد بها على مبايعته بالخلافة؛ ليتخذ السلطان لقب أمير المؤمنين وخادم الحرمين الشريفين كأول سلطان عثماني يلقب بهذين اللقبين.. وعند عودته إلى إسطنبول كان الحديث عن السلطان الذي لا يغزو سوى ديار الإسلام ينتشر انتشار النار في الهشيم؛ وذرا للرماد في العيون أعلن السلطان تجهيز الجيوش لغزو أوروبا؛ لكن هذا التجهيز استمر لثلاث سنوات ما بين عامي 1517، و1520، وهو العام الذي وافت السلطان سليم الأول فيه المنية بعد حياة حافلة بقتل المسلمين واحتلال ديارهم.

بدت زيارة الرئيس أردوجان الذي انتزع عبر صناديق الاقتراع السلطة كاملة دون منازع- لقبر سليم الأول ذات دلالات كثيرة في وقت تتململ فيه العلاقات التركية الأوروبية بفعل طول الفترة التي طرقت فيها تركيا أبواب الاتحاد الأوروبي دون استجابة، في الوقت الذي تلتقي فيها الأطماع التركية مع الرغبة الأمريكية التدميرية على الأرض السورية، في ظل مباركة من الممالك الخليجية، وصمت متواطئ من جانب معظم الدول العربية، مما يؤكد توافر كافة الظروف لتمدد الحلم الأردوجاني في فترة من تاريخ العالم لا تشهد سوى أكثر الكوابيس بشاعة، فهل تمنح الأيام القادمة السيد رجب ما يصبو إليه أما أن الأقدار تخبئ له غير ذلك؟.. سنرى.