يعقوب الحضرمي.. المعمر ابن المعمرين

بالبصرة ولد، وفيها عاش ومات، ولم يدخل اليمن يوما، لذا تحير أصحاب التراجم في نسبته إلى حضرموت، والراجح أن “الحضرمي” نسبة ولاء، ولا ندري أكان هذا الولاء منه أم من أجداده.. واختلفوا في سنة ميلاده كثيرا، مع اتفاقهم على وفاته سنة 205 هجرية، وبينما يرى السيوطي أنه ولد عام 130، يرى آخرون أنه استقبل الدنيا عام 117، تماشيا مع رواية تقول أنه عُمر 88 عاما، وكذلك عُمر أبوه وجده وأبو جده.. كلهم عاش 88 عاما، وهو من العجائب.

يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي البصري، أحد القراء العشرة المشتهرين، انتهت إليه رئاسة الإقراء في البصرة بعد أبي عمرو بن العلاء، مع فقه وعلم ودراية بالعربية.. أخذ القراءة عرضا على أبي المنذر سلام بن سليمان الطويل المزني، وعن شهاب وأبي يحيى، وأبي الأشهب جعفر بن حيان العطاردي، ومهدي بن ميمون، وسمع الحروف من حمزة والكسائي، وقرأ سلام على عاصم الكوفي وعلى أبي عمر، وكل بأسانيدهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم.

أثنى كثير من العلماء والأئمة على سعة علمه ودرايته الكبيرة بالقراءات، فقال الفيروزأبادي: “يعقوب الحضرمي مولاهم النحوي المقرئ البصري إمام عصره في القراءات والعربية والدين والورع”، ويعرف به الذهبي في سير أعلام النبلاء بأنه “الإمام المجود الحافظ مقرئ البصرة… وفاق الناس في القراءة، وما هو بدون الكسائي بل هو أرجح منه عند أئمة”.

وردا على بعض من طعن في قراءة يعقوب، يقول الذهبي: “كان يقرئ الناس علانية بحرفه بالبصرة في أيام ابن عيينة، وابن المبارك، ويحيى القطان، وابن مهدي، والقاضي أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، ويحيى اليزيدي، وسليم، والشافعي، ويزيد بن هارون، وعدد كثير من أئمة الدين، فما بلغنا بعد الفحص والتنقيب أن أحدا من القراء ولا الفقهاء ولا الصلحاء ولا النحاة ولا الخلفاء كالرشيد والأمين والمأمون أنكروا قراءته، ولا منعوه منها أصلا.. ولو أنكر أحد عليه لنقل ولاشتهر، بل مدحها غير واحد، وأقرأ بها أصحابه بالعراق، واستمر إمام جامع البصرة بقراءتها في المحراب سنين متطاولة، فما أنكر عليه مسلم، بل تلقاها الناس بالقبول، ولقد عومل حمزة مع جلالته بالإنكار عليه في قراءته من جماعة من الكبار، ولم يجر مثل ذلك للحضرمي أبدا، حتى نشأ طائفة متأخرون لم يألفوها، ولا عرفوها، فأنكروها، ومن جهل شيئا عاداه، قالوا: لم تتصل بنا متواترة، قلنا: اتصلت بخلق كثير متواترة، وليس من شرط التواتر أن يصل إلى كل الأمة”.

وعنه يقول أبو القاسم الهذلي في كتابه الكامل في القراءات العشر والأربعين الزائدة عليها: “لم ير في زمنه مثله، كان عالما بالعربية ووجوهها، والقرآن واختلافه، فاضلا تقيا نقيا ورعا زاهدا، بلغ من زهده أنه سُرق رداؤه عن كتفه وهو في الصلاة ولم يشعر، ورد إليه فلم يشعر، لشغله بعبادة ربه، وبلغ من جاهه بالبصرة أنه كان يحبس ويطلق”.. وقال العلامة أبو حاتم السجستاني: “يعقوب أعلم من رأينا بالحروف والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه ومذاهب النحو”.

واشتهر عن يعقوب راويان هما رويس وروح، فالأول هو أبو عبد الله محمد بن المتوكل اللؤلؤي البصري, قال الزهري: سألت أبا حاتم عن رويس هل قرأ على يعقوب قال: نعم قرأ معنا وختم عليه ختمتين وهو مقرئ حاذق وإمام في القراءة ماهر ومشهور بالضبط والإتقان, توفي بالبصرة سنة 238.

والثاني هو روح بن عبد المؤمن الهذلي البصري النحوي، مقرئ ثقة مشهور ضابط، روى عنه البخاري في صحيحه، وعرض عليه القراءة خلق كثير، توفي سنة 234 أو 235.. قال الإمام ابن الجزري: وَيَعْقُوبُ قُلْ عَنْهُ رُوَيْسٌ وَرَوْحُهُمْ.

ومن معالم قراءة الإمام يعقوب أنه يقرأ بضم هاء كل ضمير جمع مذكر إذا وقعت بعد الياء الساكنة نحو: (فيهم، عليهم)، وبضم كل هاء ضمير جمع مؤنث إذا وقعت بعد الياء الساكنة نحو: (عليهن، فيهن). ويقرأ من رواية رويس بضم هاء ضمير الجمع إذا وقعت بعد ياء ساكنة ولكن حذفت الياء لعارض جزم أو بناء، نحو: {أوَ لم يكفهم}، {فاستفتهم}.. ويقرأ من رواية رويس أيضا لفظ (الصراط) كيف وقع في القرآن معرفًا أو منكرًا بالسين.

ويقف يعقوب بهاء السكت على هذه الألفاظ: ( فيم، عم، مم، لم، بم، هو، هي، عليهن، لدى، إلى، يا أسفى، يا حسرتا، ثم).. ويقرأ (أن القوة لله جميعًا)، (وأن الله شديد العذاب) في البقرة بكسر همزة (إن) في الموضعين.. ويقرأ (نرفع درجات من نشاء) بيوسف بالياء في (يرفع، يشاء) ويقرأ (فيسبوا الله عَدْوًا) في الأنعام بضم العين والدال وتشديد الواو المفتوحة.. ويقرأ (من قبل أن يُقْضَى إليك وحيُه) في طه بالنون المفتوحة في موضع الياء المضمومة، مع كسر الضاد ونصب الياء في (نَقْضِيَ)، ونصب الياء في (وحيَه). 16 – يقرأ (وكلمةُ الله هي العليا) في التوبة بنصب التاء.