هل نشهد الضوء الأخضر الأمريكي لعدوان جديد على لبنان وحزب الله؟

بعد العدوان الصهيوني الأخير على الأراضي السورية بالقصف الجوي لمواقع عسكرية تابعة للجيش العربي السوري، في سياق الدعم الصهيوني المستمر على الأرض للجماعات التكفيرية المحارِبة للدولة هناك، صرّح بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني أمس الأول الجمعة أن تل أبيب ستواصل استهداف قوافل الأسلحة عند توفر المعلومات الاستخباراتية والإمكانيات العملياتية؛ للحيلولة دون تسلم حزب الله اللبناني أسلحة متطورة، وفي نفس الإطار كانت روسيا قد استدعت سفير الكيان لديها للاستيضاح منه بخصوص القصف بعد يوم واحد فقط من تسلمه مهام وظيفته. يأتي التصريح الصهيوني معتادًا شكلًا ومضمونًا، حيث سبق لقيادة الكيان التأكيد أكثر من مرة على النية في استهداف ما تقول إنها إمكانات لحزب الله خارج لبنان، ولكنه يكتسب هذه المرة أهمية أكبر؛ نظرًا لتوقيته وفقًا لعاملين أساسيين: الأول هو مجيئه صبيحة الضربة الجوية التي تصدت لها الدفاعات الأرضية السورية وأسقطت داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة إحدى الطائرات المشاركة فيها، مما يُعَد تطورًا فارقًا في الرد العسكري السوري على الخروقات الجوية المتتالية التي بات الرد عليها موجعًا ومحملًا بتهديد استراتيجي لأمن الكيان، إذ امتدت الصواريخ السورية إلى قلب المجال الجوي للأراضي التي يحتلها، والثاني هو مجيئه بعد نحو شهر من إعلان السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله تجديد نيّة الحزب في استهداف خزانات الأمونيا التابعة للكيان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، قائلًا إن نقل الخزانات من مكانها المعتاد لن يؤثر على تلك النيّة، إذ يمكن لصواريخ الحزب الوصول دومًا إلى الحاويات البحرية التي تنقل الأمونيا إلى الساحل الفلسطيني المحتل، والتي لا يمكن نقلها خفية بطبيعة الحال، فضلًا عن قدرة الحزب على استهداف مفاعل ديمونة النووي في صحراء النقب، وفي نفس الخطاب كان السيد حسن قد رَصَد تطورًا للموقف الصهيوني فيما يتعلق بلبنان وحزب الله يُعَد مؤشرًا خطيرًا، قد يفتح الباب لاحتمال نشوب حرب، أكد الأمين العام أن غطاءها السياسي متوافر على الدوام أمريكيًّا وعربيًّا، وأن ما يمنع نشوبها هو انعدام ثقة القيادة الصهيونية في الانتصار بها.

الحقيقة أن الخروقات الجوية التي تتضمن قصفًا وأعمالًا عسكرية معادية للدولة السورية كثيرًا ما تم تبريرها من ناحية الكيان الصهيوني بوجود “قوافل” من الصواريخ المتطورة نوعيًّا تفوم الدولة السورية بإرسالها لحزب الله، الذريعة التي لا يمكنها منطقيًّا تبرير تلك الضربات كمًّا وكيفًا، فالضربات استهدفت وتستهدف بنكًا متنوعًا من الأهداف العسكرية السورية في مساحات جغرافية مختلفة، عادة ما تشمل وجود فصائل تكفيرية منخرطة في قتال الجيش السوري بالجوار، كما تشمل وجود إمكانات عسكرية “ذاتية” سورية، بشكل يجعل صواريخ حزب الله المزعومة سببًا واحدًا ضمن أسباب عديدة لتلك الضربات، من ناحية أخرى فإن هذا السبب الصهيوني بالتحديد يجد لنفسه مرتكزًا قويًّا لدى الإدارة الأمريكية الجديدة، تشكّل منذ تأكيد أحد مستشاري تلك الإدارة للشؤون الخارجية على أن حزب الله سيظل كيانًا إرهابيًّا بالنسبة لأمريكا طالما استمر تواجده في سوريا، بل وتواجده المسلح على الأراضي اللبنانية ولعبه لدور سياسي في الداخل اللبناني، وأن تسليم الحزب لسلاحه وفقًا لما أسماه المستشار “القرارات الدولية” هو شرط أساسي لاعتراف أمريكا بأن حزب الله يحارب تنظيم داعش الإرهابي، وهو الاعتراف الذي طلبته روسيا الشهر الماضي. الجدير بالذكر أن هذا المستشار هو اللبناني الماروني وليد فارس العضو السابق في القوات اللبنانية، أحد تنظيمات اليمين اللبناني المتطرفة العسكرية في الحرب الأهلية اللبنانية، وأحد القائلين بخصوصية الهوية المسيحية وتمايزها عن الهوية العربية، وأحد الداعين للفصل بين المجتمعين المسيحي والإسلامي في لبنان على أرضية صراع الهويات والحضارات، قبل أن يصبح مستشارًا لدونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط.

بالعودة إلى تصريح نصر الله، وإذا ما أضفناه إلى تزايد حدة موقف إدارة ترامب من إيران وسعيها المؤخر إلى إقامة تكتل عربي ضدها، جاء في سياقه تقارب أمريكي سعودي جديد لاحق لفترة من التوتر والفتور في العلاقات، بالإضافة إلى تصريح نتنياهو الأخير الذي ترافَق كما يبدو مع اختلاف روسي صهيوني، صاحَب العدوان الجوي الأخير على سوريا، سنجد أن المناخ السياسي في المنطقة قد بات قابلًا لمرحلة أكثر حدة من التناقض الصهيوني – السوري اللبناني على أرضية وجود ساكن جديد للبيت الأبيض (نعته السيد حسن بالأحمق في خطاب سابق) متحمس للضغط على إيران وإضعاف حلفائها، وغير مستعد لقبول استقلال قرار الإدارتين الإيرانية والسورية وتغريدهما خارج السرب الأمريكي على مستويات عدة. من ناحية أخرى فإن رَصْد الأمين العام لحزب الله لنيّة صهيونية وشيكة في مهاجمة لبنان والحزب لا يمكن أن يكون قد نبع من الفراغ، فرغم حديثه في نفس الخطاب عن الاعتماد الصهيوني على التهويل والتخويف، إلا أنه قال أيضًا إن مثل هذه التهديدات لم يُشهَد منذ عدوان 2006 الذي انتصرت عليه المقاومة، بينما يتزايد القلق الصهيوني من تهديدات الحزب الذي يعتبره الكيان رسميًّا التهديد الاستراتيجي الرئيسي الأول له، بالإضافة لانتصارات الحزب المتوالية في سوريا واكتساب أفراده وقياداته خبرات قتالية هائلة في الميدان السوري في مواجهة القوى التكفيرية، وهو ما يُعَد سببًا جزئيًّا لدعم الكيان الصهيوني للتكفيريين في سوريا على مستوى توفير الغطاء الجوي العسكري وعلى مستوى المساعدة اللوجيستية لهم، التي شملت معالجة مصابيهم ورعاية خطوط إمدادهم، كما أن القيادة الصهيونية لا تخفي قلقها المتزايد من مسألة عسكرية استراتيجية محددة بخصوص الحزب، وهي امتلاكه لترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية، يؤكد كلا الطرفين على تطور مداها الجغرافي وقوتها التدميرية، ذلك التطور الذي انعكس على تصريحات الأمين العام بالقدرة على استهداف مفاعل ديمونة الشديد البعيد جغرافيًّا عن منصات صواريخ الحزب، الأمر الذي يذهب بالقدرات والخيارات الاستراتيجية للحزب بعيدًا عن “حيفا وما بعد حيفا” نحو تهديد استراتيجي من الطراز الأول لوجود الكيان نفسه، فضلاً عن أحد استراتيجيات الكيان القائمة على “الردع والتصفية قَبْل وعوضًا عن المواجهة”، والذي يدفع إلى التعاطي بجدية وحسم مع تهديدات الحزب وتعاظُم قواه في ظل تواجده الدائم بالفعل على لائحة الأهداف الصهيونية للتدمير والتصفية.