هل نحتاج إلى ثورة ثقافية؟

عندما اندلعت ثورة 25 يناير، انقسم الشعب المصري إلى ثلاث فئات رئيسية: الفئة الأولى، فئة الثوار، الذين ثاروا من أجل حرية الشعب ومن أجل نهضة البلاد، وضمت هذه الفئة: طلاب الجامعات والمثقفين المستنيرين والثوريين من الليبراليين واليساريين والقوميين والإسلاميين، وفئة الثوار عموما هى الفئة المحركة للثورات في أي مجتمع، لكنها غالبا فئة محدودة العدد، لا تزيد نسبتها عن الواحد بالمائة من مجموع السكان بحسب درجة الوعي السائدة فى كل مجتمع، أي في مصر كانت أقل من المليون مصرى.
والفئة الثانية، فئة خاصة النظام، الذين أطلق عليهم الإعلام لاحقا بعد خلع مبارك اسم “الفلول”، وهم المستفيدون من نظام مبارك والذين كانوا يخشون زوال ثرواتهم ومكاسبهم وامتيازاتهم أو يخافون من المحاسبة على جرائمهم، وضمت هذه الفئة كبار رجال الدولة وكبار رجال الأعمال وقيادات الحزب الوطني والصحفيين والإعلاميين والمثقفين الوصوليين والفنانين المنافقين وقيادات الشرطة وأمن الدولة والمخابرات والقضاة الفاسدين، وهى فئة محدودة العدد أيضا، لا تزيد عن نصف المليون مصري.
أما الفئة الثالثة، الأكبر فى الحجم والأكثر تنوعا، فكانت فئة عامة الشعب، وتضم العمال والفلاحين والموظفين والمدرسين والمهندسين، والأزهريين والسلفيين، والمهمشين، إلخ، وهى الفئة التى وجدت نفسها في أزمة حقيقة بعد قيام الثورة، وتحديدا أثناء الثمانية عشر يوما المجيدة للثورة، فأفراد الفئتين الأولى والثانية يعلمون تماما ماذا يريدون بالضبط، كل بحسب اتجاهه وميوله؛ الفئة الأولى تريد إسقاط النظام وتطهير المجتمع، والفئة الثانية تريد إنقاذ النظام واستمراره وتوريث الحكم إلى جمال مبارك.
أما أفراد الفئة الثالثة، فكانوا حائرين بين الفئتين، نعم يعانون من ظلم وقهر وفساد النظام الحاكم، تماما مثل أفراد الفئة الأولى الثائرة، لكنهم لم يكونوا مستعدين قط للتضحية من أجل إزالته وانتزاع حقوقهم، كانوا منهمكين في كفاحهم من أجل الرزق، ومشغولين تماما بهموم الحياة اليومية، أقصى ما كانوا يفعلونه أن يبادروا بالشكوى ثم يرددوا: “ربنا يولي من يصلح”، يريدون التغيير بشرط ألا يكلفهم ذلك شيئا، يريدون أن ينصلح الحال، لكن دون خسائر لهم وبلا أدنى تغيير في نظام حياتهم، كما أن بعضهم كان مستفيدا بشكل أو بآخر من فساد النظام، مثل أمين الشرطة الذي كان يكسب رزقه من الرشاوي، والمدرس الذي كون ثروة من الدروس الخصوصية، وموظف الجمارك وموظف الضرائب وموظف المحليات وكاتب المحكمة ومهندس الحي، إلخ، الذين استفادوا جميعا من فساد نظام مبارك ونظموا حياتهم على هذا الأساس، ليأتي الثوار، الذين يعانون من نفس الظروف الصعبة التي يعيشها أفراد الفئة الثالثة، ويقررون الثورة على هذا الواقع الفاسد الذي تكيف واعتاد عليه الجميع، ويحاولون فرض واقعا جديدا، واقع نظيف خال من هذا العفن، ويتوقون إلى تطهير الدولة ونهضة المجتمع.
بعد يوم 28 يناير، بدأ أفراد الفئة الثالثة يشعرون بمدى قبح وبشاعة الحياة التي اختاروها بأنفسهم أو فرضت عليهم فرضا، وبدأوا يراجعون أنفسهم، منهم من استيقظ ضميره وانضم إلى الثوار فامتلأت الميادين بهم وأصبح نظام مبارك بفضلهم مهددا بالسقوط، ومنهم من انتظر نتيجة المعركة ليحسم رأيه ويقرر إلى أي من الجانبين سينضم في النهاية، ومنهم من ظل على موقف متذبذب بين تأييد الثورة أو الهجوم عليها، وقد تقلبت عواطفهم مع الثورة وضدها أكثر من مرة، في البداية صدق كثيرون منهم تضليل الإعلام الرسمى واعتبروا الثوار مأجورين ومدسوسين، ثم رأوا الشهداء يتساقطون فتعاطفوا معهم، لكنهم لما شاهدوا مبارك وهو يطالب بأن يموت فى وطنه بكوا متأثرين، وفي اليوم التالي لما حدثت موقعة الجمل وقتل المتظاهرون، انقلبوا من جديد وأيدوا الثورة، وهؤلاء هم الذين نزلوا الشوارع يوم خلع مبارك ليحتفلوا بسقوطه، ونزلوا الجمعة التالية بعد أن أطمأنوا إلى أن النظام السابق قد سقط بالفعل.
وفى الشهور الأولى للثورة، ونتيجة للحالة الضبابية التي كان عليها الوضع السياسى في مصر حينذاك، لا أحد يعرف بالضبط من يملك القوة: الثوار، أم المجلس العسكري، أم الإخوان المسلمين، ظل أفراد الفئة الثالثة في حيرة، ولكن بالحس الشعبي، شعروا أن القوة الآن أصبحت في يد الإخوان المسلمين، فصوتوا لصالحهم في استفتاء 19 مارس، ثم في انتخابات مجلس الشعب التالية، ولكن مع انتخابات الرئاسة في منتصف عام 2012، ونتيجة لما جرى طوال السنة والنصف الأولى من عمر الثورة من انهيار اقتصادي وانفلات أمني وانحدار أخلاقي في كل المجالات، إلى جانب ظهور التيارات الدينية على حقيقتها أمام جماهير الشعب، انقسم أفراد هذه الفئة إلى قسمين رئيسيين: قسم مع الثورة، وقسم ضد الثورة، القسم الأول صوت لصالح مرسى، والقسم الثاني صوت لصالح شفيق.
وانتهت المعركة بفوز صعب لمرسى، واحد وخمسين بالمائة فحسب، لم يدرك الإخوان المسلمون وقتها أن فوزهم في هذه الانتخابات كان نتيجة انضمام أفراد هذا النصف من الفئة الثالثة إليهم، وتصوروا أن الفوز كان نتيجة حتمية لقوتهم في الشارع، وليس لكره هذا النصف لنظام مبارك ممثلا في شفيق، ثم تعقدت الأمور أكثر مع إصدار مرسى إعلانه الدستوري الاستبدادي، وفقد شرعيته عند النصف الذي سانده في الانتخابات، وهكذا اجتمع شمل الفئة الثالثة مرة أخرى، وانضموا إلى الفئتين الأولى والثانية، الثوار والفلول، ونشأ تحالف جديد وعجيب بين الثوار والفلول وعامة الشعب، الفئات الثلاثة، ووقعت أحداث الاتحادية وتردت الأوضاع الاقتصادية والأمنية أكثر فأكثر، وقامت حركة تمرد، واندلعت مظاهرات 30 يونيو، وانحاز الجيش يوم 3 يوليو إلى الفئات الثلاثة، وفي رواية أخرى، صنع الجيش السيناريو بالكامل من الألف إلى الياء.
لكن أيا كانت الحقيقة، فالملاحظ أن أفراد الفئة الثالثة هم وحدهم الذين يملكون عوامل نجاح الثورة أو فشلها، فخلع مبارك لم يكن أن يحدث لولا انضمام جزء كبير من أفراد الفئة الثالثة إلى الثوار فامتلأت بهم الشوارع والميادين، والفوز الصعب الذي حققه مرسى في الانتخابات لم يكن أن يحدث لولا انضمام نصف أفراد الفئة الثالثة إلى الإخوان المسلمين، ونجاح انقلاب 3 يوليو لم يكن أن يحدث أيضا لولا انضمام الفئة الثالثة إلى التحالف المؤقت للفئتين الأولى والثانية، وبقاء السيسي في الحكم لن يستمر لو انفض من حوله أفراد الفئة الثالثة.
ما أريد أن أقوله إن الفئة الثالثة، أى عامة الشعب، وليس الثوار أو الفلول أو العسكر أو الإخوان المسلمين أو أي قوة أخرى، الفئة الثالثة فقط هى القادرة على إحداث التغيير في مصر، وهى وحدها التى بيدها مفتاح إنجاح أو إفشال أى ثورة قادمة، لكن تظل هذه القدرة على التغيير عاجزة ومعطلة ومشلولة طالما ظل أفراد الفئة الثالثة مغيبون عن الواقع، طالما ظل معظم الشعب فى تلك الحالة التي نلمسها جميعا من التخلف والجهل، سواء الجهل الأصغر وهو جهل الأميين، أو الجهل الأكبر وهو جهل المتعلمين.
معظم الثورات السياسية التى نجحت فى تحقيق أهدافها، فى جميع أنحاء العالم وفى كل العصور، كان يسبقها دوما إصلاح ثقافي أو تعليمي، وقد دعا الإمام محمد عبده (1849 – 1905) في نهاية القرن التاسع عشر إلى إصلاح التعليم أولا، بعد أن شارك في الثورة العرابية وشاهد بنفسه إخفاق محاولة التغيير وفشلها، كان الرجل يرى أن زوال الاستبداد الذي تشكو منه الأمة مرهون بالتربية والتعليم للطبقات الوسطى والدنيا في المجتمع، فقد كتب يقول: “إن المعهود في سير الأمم وسنن الاجتماع أن القيام على الحكومات الاستبدادية (أى الثورة عليها) وتقييد سلطتها وإلزامها الشورى والمساواة بين الرعية، إنما يكون من الطبقات الوسطى والدنيا، إذا فشا فيهم التعليم الصحيح والتربية النافعة وصار لهم رأي عام”.
باختصار، نحن نحتاج إلى ثورة ثقافية تمهد الطريق إلى الثورة السياسية القادمة، وإلا سنظل ندور وندور داخل فلك هذه الدائرة العبثية المغلقة: استبداد، ثورة، ثم استبداد من جديد، ثم ثورة من جديد، على أن لا يقتصر أثر تلك الثورة الثقافية على الخطاب الديني فحسب، إنما يمتد ليشمل كل مناحي الحياة، وأن تقوم بمهمة التخلص من العادات والتقاليد البالية التي لا تمت إلى العقل والمنطق بصلة، وأن تبنى على حقوق الإنسان وحرية الفكر والتعبير والاعتقاد، وعلى العدالة وسيادة القانون، وأنه ليس هناك من هو فوق القانون سواء كان حاكما أو محكوما، وأن تبنى كذلك على المواطنة والتعددية واحترام الآخر والاجتهاد في القضايا الدينية التي يوجد حولها خلاف أو كونها قضايا مستجدة تحتاج إلى أحكام جديدة.
لكن المعضلة الكبرى، أن أي حاكم مستبد لن يسمح أبدا بحدوث مثل هذه الثورة الثقافية أو إجراء إصلاح تعليمي من هذا النوع، لأن الديكتاتور يدرك جيدا أن تعليم الشعب وتنويره من شأنه أن يخلق مجتمع صالح فاهم لحقوقه وواجباته، وبالتالي سيطالب يوما ما بتلك الحقوق وسيثور ضد نظامه، ما الحل إذن؟ أظن أن الحل الوحيد لهذه المعضلة المستعصية يكمن فى تربية وتثقيف عامة الشعب بعيدا عن تدخل الدولة، بعيدا عن سيطرتها، أي بجهود المجتمع المدني من مؤسسات العمل الخيري والجمعيات الأهلية والاتحادات العمالية والنقابات المهنية والمراكز الثقافية والأحزاب السياسية والمنظمات غير الحكومية، حتى تزيد أعداد المتعلمين والمثقفين المستنيرين من أفراد الفئة الثالثة، عامة الشعب، الذين يمكن أن ينحازوا إلى الثورة السياسية وقت أن تندلع يوما ما، وبالتالي يساهمون في إنجاحها وتحقيق أهدافها، واللـه أعلم.