مينيكه شيبر: الحضور الصاخب لليمين المتطرف يُعجل بظهور موجات تحررية جديدة

الميثولوجيا لا تزال تحكم وعي المجتمعات المعاصرة

أحاول تقديم فهم مختلف لكيفية تطور العادات والتقاليد والأفكار

مينيكه شيبر، كاتبة وأكاديمية هولندية من مواليد عام 1938، درست اللغة الفرنسية والفلسفة في جامعة أمستردام الحرة، ودرست النظرية الأدبية والأدب المقارن في جامعة أولتريخت.

بدأت حياتها العملية بتدريس اللغة الفرنسية والأدب الإفريقي وكانت أطروحتها التي تقدمت بها للحصول على درجة الدكتوراة عام 1973 أول رسالة دكتوراة في هولندا عن الآداب الإفريقية، وطوال سنوات عديدة عملت مينيكه كأستاذة زائرة في نيجيريا وكينيا وزيمبابوي وبوركينا فاسو، وفي جامعة أمستردام الحرة، وما زالت تحتفظ بمنصبها كباحثة في مركز جامعة لايدن للآداب والفنون.

قدمت مينيكه شيبر العديد من الأبحاث والكتب في مجال الأدب والأنثروبولوجيا والميثولوجيا، من أبرزها “المسرح والمجتمع في إفريقيا” و”في البدء لم يكن هناك أحد : كيف جاء أول الناس إلى العالم” و”آدم وحواء في كل مكان: أول شخصين في اليهودية والمسيحية والإسلام”، وصدرت عام 2008 الترجمة العربية لكتابها “إياك والزواج من كبيرة القدمين.. النساء في أمثال الشعوب” عن دار الشروق، وحاضرت منيكيه، منذ عدة سنوات في مؤسسة المرأة والذاكرة بمصر.

صدر حديثًا الترجمة العربية لكتابها “المكشوف والمحجوب.. من خيط بسيط إلى بذلة بثلاث قطع”، يتضمن الكتاب دراسة ثقافية تجمع بين الأنثروبولوجيا والتاريخ والأدب والأديان المقارنة والميثولوجيا، في رحلة تتتبع تطور نظرة الإنسان إلى جسده وإحساسه بالخزي أو الاعتيادية لعريه، وظهور فكرة الملابس كغطاء منذ كانت مجرد خيط بسيط يستر جزءا بعينه، إلى أن تحولت إلى مجال للصراع بين تطرفات الموضة من ناحية، والقواعد الدينية من ناحية أخرى، بين السياسة والاقتصاد، والأعراف والتقاليد والأمثال الشعبية، وعلم النفس والخرافات.

تحاول مينيكه، عبر كتابها، البحث عن طرق للعيش سوية واحترام وفهم ثقافة الآخر، عبر تقديم صور متعددة لثقافات ومعتقدات متنوعة لشعوب وحضارات مختلفة من حول العالم، رغم كل ما تحمله من اختلاف لكن يبقى بينها الكثير من الروابط الإنسانية.

عن كتابها ورحلتها مع دراسة الأنثروبولوجيا ورؤيتها للتغيرات الكبيرة التي يعيشها العالم الآن من حروب وصعود للقوى اليمينية المتطرفة في الدول الغربية، دار معها هذا الحوار..

ـ الكتاب يشتبك مع عدة قضايا متنوعة عن الجسد والملابس والتنوع الثقافي والسلطة والعولمة والميثولوجيا كيف جاءت وتطورت فكرة الكتاب؟

ظهرت فكرة هذا الكتاب عندما كنت أعمل على بحث وكتاب آخر بعنوان “آدم وحواء في كل مكان”، وهو كتاب عن أول الكائنات البشرية وحضوره في الأديان اليهودية والمسيحية والإسلام، فالقصة المتشابهة لخروج آدم وحواء من الجنة تتعلق بفكرة العري، وتمثلها كعقاب لمخالفة أمر الله وتناول الفاكهة المحرمة، وهنا فقد آدم وحواء براءتهما فجأة، وظهر مفهوم الخجل، متضمنًا الوعي بضرورة تغطية العري.

هنا تساءلت: لماذا يظهر معظم الناس أياديهم وأفواههم وعيونهم للآخرين دون حرج، لكنهم يميلون عادة لإخفاء أعضائهم التناسلية، وقادني هذا السؤال لأسئلة أخرى تتعلق بكيفية نشأة مفهوم الخجل وتطوره في الثقافات والمجتمعات المختلفة، خصوصًا أن كل إنسان يأتي إلى العالم عاريًا، وكان أسلافنا الأقدمون يسيرون عراة قبل أن تقع الإنسانية في أسر الشبكة الأخلاقية المعقدة المرتبطة بالملبس.

وقد وجدت خلال بحثي أن فكرة ربط مفهوم الخجل بتغطية الأعضاء التناسلية تبدو خطأ فادحًا، فالقضية ليست مرتبطة بالجسد والأعضاء الجنسية بقدر ما هي مرتبطة بالسلوك الاجتماعي والقواعد المجتمعية الحاكمة، فشعور الإنسان بالخجل ينتج عندما يخرج عن الإطار والسلوكيات المجتمعية، فيصبح محلا للرفض والاستهجان، لذلك يميل الإنسان للتكيف في الغالب مع مجتمعه.

ـ أشرتِ في كتابك لدور الميثولوجيا الكبير في صياغة وعي الإنسان القديم بذاته وبالعالم.. برأيك إلى أي مدى لا يزال للميثولوجيا دور فاعل في عالمنا المعاصر؟

بالتأكيد لا تزال الميثولوجيا تحكم وعي المجتمعات المعاصرة بصور مختلفة ومتنوعة، وقد رصدت هذا عبر فصول الكتاب، ففي مختلف القارات والبلدان من يملكون السلطة هم من يكتبون التاريخ ويفرضون القواعد، ويخبروننا بما يجب علينا فعله وما لايجب فعله، وعبر هذه الأطر يعي الإنسان ذاته وعالمه، لكن طوال التاريخ هناك أفراد ومجتمعات يتساءلون ويتمردون ويطرحون تصورات مختلفة، وأتمنى أن يسهم الكتاب في تقديم صورة مختلفة لفهم كيف تتطور العادات والتقاليد وتنشأ الأفكار والمعتقدات، حتى وإن كان في شيء صغير وبسيط وهو رحلة الجسد الإنساني من التعري إلى ظهور الملابس وتطورها، لكنها تكشف وتفتح آفاقا واسعة لنا للتفكير في قضايا متعددة.

ـ تحدثتِ أيضًا عن الحضور والهيمنة الاقتصادية والسياسة على مفهوم الجسد وخاصة الجسد الأنثوي، وفي المقابل، هل تحول العري لأسلوب احتجاج على السلطة بصورها المتنوعة المجتمعية والسياسية والدينية؟..

لقد أصبح مظهرنا في المجال العام بطاقة شخصية يتعامل معها الآخرون من النظرة الأولى باعتبارها تعبر عن النوع والعرق والدين والهوية، في السعودية تعبر عباءة سوداء تغطي الجسد ماركة “أرماني” الفاخرة عن كون المرأة التي بداخلها ليست فقط مسلمة مؤمنة لكنها سيدة أنيقة كذلك، من نكون؟ وكيف علينا أن نكون ونظهر في عيون الآخرين؟، كل تلك الأسئلة ترتبط بالجسد والملابس وصناعتها الضخمة.

تقريبًا كل منتج يباع عبر الجسد الآن، ديكتاتورية المعلنين المبدعين تجعل النساء يفرغن أجسادهن، وعلى الجانب الآخر السلطات الدينية تجعل النساء يفعلن العكس، وفي الحالتين تخضع الغالبية للقواعد المجتمعية.

ـ شهدت فترة الخمسينات والستينيات موجات تحررية قوية لكنها تراجعت تدريجيًا في العقود الثلاث الماضية، كيف ترين الصعود الحالي الصاخب لقوى اليمين المتطرف في عدة دول أوروبية والولايات المتحدة الأمريكية؟

العالم تغير كثيرًا خلال الثلاثة عقود الماضية على كافة الأصعدة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بدءًا من هيمنة العولمة والتطور التكنولوجي الكبير مرورًا بانهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي وتراجع الأيديولوجيات السياسية، وظهور الإنترنت وتطور وسائل التواصل بصور غير مسبوقة، لكن على الجانب الآخر زادت حدة الأزمات التي تتعلق بوعي الإنسان بذاته ومجتمعه، وتزامن ذلك مع تزايد حضور الخطاب الديني في المجال العام، وما نعيشه الآن هو نتاج تلك التداخلات المعقدة، وما أحاوله في كتابي هو تفكيك كل تلك الأطر، وتشجيع الإنسان على التوقف والتفكير.

ـ في هذا السياق كيف ترين مستقبل العالم وهل أنتِ متفاءلة بالقادم في ظل حديث العديد من المفكرين والباحثين عن كون الصعود اليميني لن يقدم حلولا بقدر ما يعبر عن أزمة منظومة الرأسمالية والعولمة بصورتهما الحالية؟

الصعود الصاخب لقوى اليمين المتطرف سوف يُعجل بظهور موجات تحررية جديدة، وهذا الأمر تكرر مرارًا عبر التاريخ، لكن يبقى علينا أن نظل نبحث ونفكر ونتساءل، تلك هي القضية، فالحياة لا تتعلق فقط بالتفاؤل والتشاؤم بقدر ما تتعلق بوعي الإنسان وقدرته وحضوره وفعاليته.