من الزِحام وإليه، ما له وما عليه

 

بامتلاء الحياة بالبَشَر تبدأ الطمأنينة، يعقبها الانزعاج، ثم يأتي الضَجَر ليبدأ الزحام بأخذ المنحنى الجديد المتمثّل في الضغط الدائم والواجبات الإلزاميّة الدائمة والتي لم يكن للإنسان يد فيها ولم يختر أن يلتزم بها.

فالإنسان بطبيعته في سعي دائم لمقاومة الوحدة، والبحث خارج إطار الذات عن آخرين، يشبهونه في الشكل ويختلفون عنه في الطِباع. ذلك هو الإنسان نفسه الذي يصيبه الضجر حينما يزداد هؤلاء الآخرين الذين يتحوّلون مع الوقت إلى أصوات متداخلة تصم الأذن وتمزّق العضلات وتُرهق القلب.

هو ذاته الإنسان الذي حينما يتأزّم يضطر إلى تسوّل وجود البشر حوله، فيا لنا من سلالة حائرة في أمرها بين العزلة والاختلاط. يا لنا من كائنات لا تجيد الاختيار حينما توضع في موقف اختيار صريح.

نحن الكائنات الجالسة فوق الأرائك والمقاعد لتضع ساقاً فوق الأخرى لنقول متى نريد ومتى لا نريد، من نحتاج الآن ومن الذي لا نحتاج إليه؟ وربما الجدير بالملاحظة تلك الظاهرة التي تتمثّل في اختيار الشخص الخطأ والتوقيت الخطأ على طول الخط.

تلك الظاهرة التي يقف العاقل أمامه حائراً من عقله، ويبدأ في التشكك في قواه العقلية، هل جُنَّت البشرية؟ هل أصاب الجنس البشري مكروهاً لا قدّر الله؟

ولو نظرنا للأمر من الزاوية الأخرى سنجد أننا ونحن في موقع الزحام، أي بينما نحن نقوم بدور “كومبارس المجاميع” بلغة السينما، ففي هذه الحالة نقوم نحن بدور ذلك الكائن المزعج الذي لا يفكّر هو الآخر إلا من خلال حاجته النفسيّة للتواجد، مرتضياً تماماً بدوره كجزء من مجموعة، وتبدأ تلك المجموعة عملها في أوّل الأمر بوظيفتها التي كُتبت لها من حيث المساندة والمؤانسة والمساعدة والمجالسة والشراكة والتعايش وكل تلك الوظائف الحميدة. حتى يتحوّل الأمر إلى روتين وظيفي يؤدّي بها في النهاية إلى التحوّل إلى وظيفة “مُزعِج”.

ويتسم هذا المزعج عادة بالأنانيّة المفرطة ويتمَحور العالم كلّه بهمومه وتداخلاته وتشابكاته النفسيّة حوله هو فقط.

وهنا يبدأ الزحام في أخذ المنحنى السابق ذكره من حيث التحوّل إلى زحام حقيقي تتقلّص فيه نسبة المؤازرة إلى ما يقرب من الصفر، وتتزايد نسبة الضغط إلى أقصى درجاتها.

هنا فقط أنت لا تمتلك الحق لتمارس عملك في أوقات احتياجاتهم الرسميّة، هؤلاء يتهّمونك دائماً بالتقصير، ليس هذا التقصير في حق نفسك بالطبع، فهذا الأمر خارج دائرة اهتمام هذا التكدّس البشري، بل يتّهمونك بالتقصير في حقّهم جميعاً، يتّهمونك بأنك لم تهب نفسك لهم ولم تسخّر قدراتك فقط لإرضائهم.

هذا التكتّل البشري يبدأ في التهام لحظاتك الخاصة، يبدأ في دخول عوالمك الهادئة، يبدأ الزحف تدريجياً إلى صميم قلبك لا ليسكنه ويملأه والعياذ بالله، بل ليمزّقه ويرهقه، تصبح بعدها كالذبيحة التي يقومون بالنهش فيها من كافة الجهات.

وبمجرد أن تأتي اللحظة الحاسمة لتعلن عن غضبك واعتراضك حتى تبدأ التهم بالانهيال عليك من كافة الجهات بأنك قد خذلت فُلان، ولم تكن عند “عشم” وطموح فلانة، وأنك أنت الذي استنفذت من حولك ولم تحتمل مؤامرتهم الجميلة ضد كيانك الخاص الذي يبدأ انفضاضهم من حوله بمجرد انهياره أو إعلانه عن وجوده. الزحام ليس دائماً جميلاً، الزحام قد يقتل، وقد يُحيي. الزحام غاية نبيلة قد تؤدي بك إلى الغرق، فلا تكره الزحام وتتجنّبه ولا ترفع سقف طموحاتك لديه.