ماشيين بالعلاج

كسلحفاةٍ لا تكاد تُخرج رأسها من صَدَفَتها الجامِدة إلا وتعود سريعا إلى مملكتها متناهية الصِغَر. كنبتة صغيرة تظل تخشى الرياح والأتربة والعواصف الهوجاء حتى تمتد الأوراق حولها فتحتمي بها.. العُزلة! لا توجد ميزة واحدة في أن يشعر الإنسان بالوحدة إلا اتّقاء الشر، حتى ذلك الشر التافه الذي لا تكبّدنا مواجهته تكلفة.

في الحياة لا يوجد أمر بلا تكلفة، فالمواجهات الدائمة التي تفرضها علينا الحياة ليست هي المشكلة، المشكلة هي تكلفة تلك المواجهات والتي سندفعها آجلا خلال عزلتنا التي يلزم اللجوء إليها من حين إلى آخر، أما الأزمة الكُبرى هنا، هي هؤلاء العباقرة الذين يحاوطون عزلتك بالشكوك والظنون والتفسيرات والتحليلات السفيهة، والتي ستنظر تجاهها من داخل صَدَفتك وتضحك، فالحكم اللوذعي الذي يتربص برأسك التي ستتحسس الطريق إلى الخارج في وقتٍ ما، ليس إلا امتدادا على ذات الخط المستقيم للأمور التي أجبرتك على العزلة، على إدخال رأسك بداخل مملكتك الصغيرة.

ستختبئ يوما من سخافة وزيف المحيطين، وحينما تهم بمغادرة عزلتك لن تجد هذه السخافات قد توقفت على ما تركتها عليه، بل ستجدها تطوّرت وتحوّلت إلى نظريات مُحكمة حول غرابة أطوارك ومشاكل النشأة والمجتمع المحيط بك، والتي أودت بك في النهاية إلى اعتزال هؤلاء العباقرة الذين لا يجدون تفسيرا لاعتزالهم خارج إطار الميتافيزيقا، فمن ذا الذي يترك كل تلك السماجة ليلتصق بذاته التي يؤمن بها ويرغب في العودة إليها والتوحّد معها من آن إلى آخر؟

سيقللون من شأن همومك، سيسخّفون من تصرفاتك الفطرية، وسيجتهد كل منهم في وضعها أسفل مصطلح محدد وتعريف مُحكَم من قاموسهم البديع، ولن يلتفت أحدهم إلى حقيقة أنهم السبب الحقيقي لتلك العزلة، أهناك مبرر أكثر من تلك السخافة وذلك الاستهلاك المجّاني لأن يعتزل إنسان الحياة مؤقتا؟

في سرادق العزاء حتما ستجد من يخبرك بالمعلومة الرائعة “كلنا سنموت”! فعلا؟ أتجد في ذلك مبررا –أيها السفيه- للجمود أمام الحزن؟ أو حتى لعدم الاستسلام للتساؤلات الداخلية والهيام مع الذكريات وتحسس الدنيا من جديد؟

إلى جوار فراش مرضك حتما ستجد هذا الذي يقص عليك قصة مرضه الذي يفوق مرضك حدّة وشدّة، وهو البطل الذي تجاوزه ببساطة كقاضية “كلاي”، سيسرد عليك قصته وهو مؤمن أيما إيمان بأن هذه الثرثرة كفيلة بأن تقفز من فراشك ملقيا بالعقاقير والحقن والينسون من شرفة غرفتك لتقف فوق فراشك وترقص على واحدة ونص.

وبينما تهم بكتابة استقالتك من عملك الذي تجاهل قدراتك واستنفد إبداعك، ستجد من يخبرك بقصة مديره الذي كان ينزع أظافره صباحا ويضع أسلاك الكهرباء في مؤخرته في نهاية اليوم، وهو الذي صبر على ذلك الابتلاء وأصبح الآن أمير الأمراء، بينما يجلس مديره السابق في دار المسنين بعد أن أصيب بتبول لا إرادي.

حسنا، أنا أحترم قصص كفاحكم التي تشنّفون بها أذني يوما بعد يوم، ولكن هل يمكنني المكوث قليلا كي أرتجل مثيلا مُعاشا لها؟ أقدّر هدفكم النبيل الذي لا يتمثّل في محاولة إخراجي من قوقعتي إلى عالمكم الفضفاض، بل يمتد بوقاحة منقطعة النظير إلى همومي ومشاعري ليحاول أن ينسفها من الوجود ويدخلني في حالة إنكار كتلك التي جعلتكم تحسبون أنفسكم على جنس البشر.

أقدّر كل ذلك، ولكن هل يمكن أن تتركوا البشر في حالهم؟ من الطبيعي أن يشعر الإنسان بالاحتياج إلى إغلاق باب غرفته دون أن تطرقه كل تلك الكفوف بتلك القوّة والجلبة في محاولة لإخراجه سريعا، فالهدف لا يجب أن يكون إخراج المهموم من غرفته بقدر أن يكون مساعدته في مواجهة همومه، فإما أن تساعد أو تصمت، ففي صمتك مساعدة هي أضعف الإيمان.