لما بدا فخامته وكأنه.. “واسِك م الفوز”!

كان البركان فائرا، ومشاهد الرعب تتجلى في صرخات الهاربين من جحيم الحمم التي كانت تتساقط على الأخضر واليابس فتحرقهما، بينما انشغل هو بالتقاط صورة زاهية لنفسه أثناء تجوله في فناء القصر وسط حراسه، مرتديا ثياب الإمبراطور، وعلى لسانه عبارة واحدة: “أحلى من الهيبة مفيش”.

النهاية كانت على وشك أن تلحق بالجميع، والتحذيرات السابقة من الهلاك أصبحت حقيقة واضحة، فيما بدا “فخامته” هادئا مطمئنا، منكرا لأي مخاوف، إيمانا منه بالمثل القائل: “النار متحرقش رئيس”.

أقنعته جوقته أيضا بعدم وجود ما يدعو للقلق، فالبركان “مؤامرة” ممن ملأتهم الأحقاد لزعزعة استقراره النفسي، وفي غضون لحظات سيُقبض على الخونة وأعوانهم ويقتلون، لذا عليه أن يواصل مسيرة الإنجازات مستريحا غير عابئ بترهات المهرطقين.

قال كاهن بنبرة تنم عن بصيرة بأمور السلطنة ودهاليزها: “متقلقش خالص سموك، وزعنا على الناس مراوح جديدة عشان محدش يشتكي من الحر، وزودنا مرتبات الحاشية 10 دنانير ذهبية تحت بند (بدل بركان)، ورسينا مناقصة المراوح على مصانع حبايبنا”، وقال خادم آخر في البلاط الملكي: “خلينا رجال الدين يقولوا ان ده ابتلاء من الله ومطلوب نصبر حتى زوال المحنة”، ولكن القول الفصل في الأمر جاء من كبيرهم الذي علمهم الدهاء: “احنا نُسقط عضوية أحد أفراد مجلس الفرسان الأعلى بتهمة الخيانة الجنسية”.

أذيعت الأنباء في أرجاء المملكة التي كانت قد خربت من هول الفواجع المتلاحقة، فلم يلتفت أحد من العامة للفضيحة بقدر ما انشغلوا بالفرار والاختباء من الكارثة المحدقة بهم، فيما سارع الحواريون بنقل التطمينات عن نجاح سياسة إلهاء الناس إلى السلطان الذي نضحت منه ابتسامة خبيثة فور سماع الأخبار، فبدا لحظتها وكأنه.. “واسِك م الفوز”.

التباري بين “البطانة” لكسب ود ورضاء فخامته كان محموما وعلى أشده، فها هو الفائز بجائزة الحاكم التقديرية في فنون “التعريض” بالخصوم، يشدو بأبيات غزلية للسلطان الذي نجح بفطنته في إنقاذ المملكة من مصير “سوريزم والعراقزم وليبيزم”، فيما أثنى آخر على بأس حيلته في معالجة الأزمة مرددا “عاش السطان” 3 مرات، ولما انتهت سيمفونية النفاق، اعتدل سموه في قرفصائه من فرط انتشائه لما يسمع قائلا: “انتوا مخلصين أوي أوي.. بحبكم كلكم”.

هذا المشهد الذي تفوح منه رائحة الرومانسية المفرطة كان يقابله مشهد آخر أكثر سوداوية، فالمملكة غارقة في الجرائم والسرقات، وقوافل المهجرين تملأ الطرقات، والبركان تتسع فوهته أكثر، والمسؤولون مشغولون بتشييد “القلعة الفولاذية” على قمة الجبل لحماية جلالته من أي أخطار بركانية، كما أنها ذات جدران سميكة ستمنع وصول استغاثات وأنات الضحايا لآذانه حتى لا تخدش رهف مشاعره.

وسط عبثية الصورة وفداحة المأزق، خرج رجل حكيم يدعو الناس إلى تنظيم صفوفهم، خاطبهم قائلا: “احموا بعضكم وتحرروا من مخاوفكم، أعملوا عقلكم ولا تلتفتوا لمهاترات العابثين، واعلموا أنه لا سبيل للنجاة من البركان إلا بالعمل”، وسرعان ما بدأوا في بناء سد عال بحسب ما أمرهم الحكيم، حتى يحول بينهم وبين أهوال النيران، ولما انتهوا اكتشفوا أنهم عزلوا أنفسهم في جانب، بينما بقي البركان وقصر السلطان في الجانب الآخر.. أخيرا إنه الخلاص.

صحا الحاكم مفزوعا على دوي فرقعات داخل القصر، ظن في البداية أنها مؤامرة الخصوم للاستيلاء على الحكم، فأمر بنشر جنوده في أرجاء البلاد خلال 6 ساعات فقط، ولما دخل عليه كبير كهنته مسرعا يخبره بعدم وجود مؤامرة، وأن حمم البركان تحرق المكان وتحاصر القصر، هوى فخامته بجسده الثقيل على كرسي العرش المخملي، وضع يديه على رأسه من هول ما يسمع، تبدل لون وجهه إلى الاصفرار، ثم نظر إلى حاشيته بغيظ، وبدا لحظتها وكأنه.. “واسِك من الموت”!

تنبيه هام: أي تشابه بين القصة والواقع سيقود كاتب المقال حتما إلى “اللومان”، لذا نرجو من القارئ أن يحتفظ بـ”تخميناته” لنفسه، وألا يتورط أو يُورط أحدا فيما لا طاقة لنا به.. “ورحم الله كاتبا وقارئا عرفا قدر بطش فخامته”.