لماذا رسبنا في سنة أولى شعب

في الشارع، في “الفيس بوك”، على القهوة، أو على “تويتر”، في كل مكان وكل فضاء، نحن مختلفون حد العداوة، متخالفون حد الشقاق، متناحرون كأننا لم نكن في يومٍ من الأيام شعب واحد تعزز وحدته الخلافات داخله، وتتجمع قواه في وقت المحن وتتوحد مقاصده على الدوام. 

**

تاريخنا المشترك لنا فيه ألف وجهة نظر، حتى التاريخ القريب الذي عاشته أجيال ما زالت تعيش بيننا مختلفون عليه حد التناحر، بل تاريخنا القريب جداً الذي شاركنا في صناعته ورأيناه بأم أعيننا ستجد أن لكل واحد منا فيه نظرة وتقييم وانحياز.

بلد ثار ضد ثنائية القصر الملكي والسفارة البريطانية التي كانت تحكم مصر، يستعيد بعض أبنائه اليوم الحنين إلى تلك الأيام التي مضت إلى غير رجعة..

شعب خاض تجربة كبرى في التحديث والتصنيع وصار لبلده كلمة مسموعة في كل العالم ينقلب على كل ما صنعه، ويصبح مطلوباً منه أن يقدم الاعتذار عن نهوضه في وجه أعدائه المتربصين به من الداخل ومن الخارج..

ثلاثون سنة من الجمود والقهر والفساد والقمع والتعذيب يحن إليها البعض اليوم، كأنها كانت سنين رغد من العيش وأيام عزة وكرامة للمواطنين!

أشعر أحياناً أننا جميعاً أمام سؤال كبير لا نعرف له إجابة موحدة ولا مقنعة لنا كمجتمع،

سؤال: من نحن وماذا نريد؟

**

لم يكن انقسامنا على التاريخ وحوله فقط، بل انقسمنا في الحاضر وحوله..

بدأ أول وأهم عملية تقسيم للمجتمع بانقسام التعليم فيه بين أجنبي ومحلي، فانقسمنا، ثم انقسام التعليم الأجنبي بين تعليم فرنسي وآخر إنجليزي وثالث ألماني، ففرق بيننا، ثم انقسام التعليم المحلي بين نموذجي وتجريبي وعادي ليس فيه أي تعليم فازداد معه انقسامنا.

فتاة في الثانوية العامة قررت أن تنهي مرحلة اغترابها في المدارس الأجنبية التي قضت فيها طفولتها الباكرة ومراهقتها وتدخل جامعة القاهرة، كانت تعشق حكاوي الكبار في أسرتها عن تجربتهم الجامعية في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، أقبلت على التقديم إلى مكتب التنسيق واختارت الكلية التي عاشت تحلم بأن تكون من بين طلابها وخريجيها، وبدأ العام الدراسي وبدت في اليوم الأول كأنها ذاهبة إلى عرسها مع من أحبته حد العشق.

في المكان المخصص أمام الكلية ركنت سيارتها الصغيرة التي كانت هدية أهلها بمناسبة تفوقها في الثانوية العامة واعترافاً منهم بأنها صارت آنسة كبيرة تستطيع أن تعتمد على نفسها، ودخلت إلى محاضرتها الأولى يخفق قلبها بالفرح والسعادة والتطلع إلى عالم جديد لم تختبره من قبل.

بعد ثلاثة أشهر كانت تبكي في البيت لأمها: لا أستطيع أن أواصل أكثر من ذلك، أشعر أنني غير قادرة على التعامل مع زملائي، هل فعلا هؤلاء زملائي في كلية واحدة، هل من الطبيعي أن يبهرني هذا الشاب الذي كادت عينه تخترق جسدي وهو ينصحني بتغطية ما ظهر منه، هل هذا الذي ترتديه زميلتي لباس مناسب لطالبة جامعية، لا أتحدث عن فقر الخامة لكني أتحدث عن فقر الذوق، طريقة كلام البعض تضايقني، طريقة تعامل الأكثرية تشعرني أنني لست منهم، يكفي طريقة نطقهم للغة الإنجليزية، شيء لا يمكن أن يطاق.. و. و.

وبعد شهر آخر كانت قد التحقت بواحدة من الجامعات الأجنبية في مصر.

**

قمنا بثورة بدون تخطيط سابق، ولكن بعزم أكيد، نجحت لأن معادلة القهر والاستبداد والظلم فاقت كل قدرة على الاحتمال، لم تكن الأوضاع مرشحة للاستمرار أكثر مما استقرت عليه طوال ثلاثين عاماً من الركود والجمود، والفساد والمحسوبية، والظلم الاجتماعي والقهر السياسي، وإهدار الكرامة، والتبعية للغرب ومحاباة إسرائيل.

أدخلتنا الثورة في دوامة من البدايات الجديدة، وولجت بنا إلى بوابات لم تطأها أقدامنا من قبل، وتعرضنا لشلالات من التفاعلات المتداخلة، والمتصارعة، ثم وجدنا أنفسنا لأول مرة نشارك فعلياً في وضع دستورنا، وأول مرة ننتخب رئيسنا، انقسمت بيوتنا حول المرشحين للرئاسة، بين مؤيد ومعارض، والجميع يحاول أن يتلمس فضيلة «التعايش مع الاختلاف» عملياً ربما لأول مرة، خرجنا من عبوديات شتى، عبودية المألوف والمستقر، وتقديس الحكومة، وتأليه الرئيس، أصبح لدينا أمل في أن يكون الشعب هو مصدر كل سلطة، يُستَرضى ليرضى، يقفون جميعاً في حضرته، وينحني له الكل احتراماً لإرادته.

أدخلونا في امتحانات الشهادة العليا ونحن لا نزال في سنة أولى حضانة، في حاجة إلى حاضنة تستطيع أن تفرز الغث من السمين، وتجنبنا الأخطاء ما أمكن، وتعلمنا ألف باء من أول وجديد.

هذه الأجيال التي تعيش اليوم على هذه الأرض مارست لأول مرة أشياء كثيرة، لم تعهدها مصر من قبل، ولا عرفها المصريون الذين يوصفون دائماً، بحق أو بغير حق، بأنهم أول من فعل «كذا» أو «كيت» في التاريخ الإنساني كله، هذه المرة نحن نفعلها للمرة الأولى، هذه المرة كنا في سنة أولى شعب.

وأثبتنا جدارتنا لكي نكون في مقدمة الشعوب المتطلعة إلى الحرية والعدل والكرامة، كانت إرادتنا على المحك، وكان مطلوباً أن تغيب أو تستلب لمصلحة من يدبرون الأمور في الخفاء، ويديرونها من خلف ستار، وفرضت علينا “خارطة طريق” معوج، طريق ليست باستقامة ونبل مقاصد الثورة وأهدافها، تعرجت بنا الطرق، واختلفت بنا الخطوات، وكانت التعديلات الدستورية أخطر الشقوق في الصفوف، ورسبنا في امتحان الإرادة الموحدة، وتعددت الإرادات بتعدد المصالح الخاصة والأهداف المخفية، ثم كان “انتخاب البرلمان” هو امتحاننا الثاني، ورسبنا فيه بامتياز، مرشحون وناخبون، ثم جاء من بعد الامتحان الكبير في “انتخاب الرئيس” كنا نختار بأنفسنا لأول مرة الرئيس، ونريده عادياً، ذاق الفقر كما ذقناه، وعانى القهر كما قهرنا، تنازلنا عن البرنامج التفصيلي الموقوت بأزمنة ونسب تنفيذ، واستغنينا عن أشياء كثيرة تطلبها الشعوب التي سبقتنا في انتخاب رؤسائها، ثم وجدنا أنفسنا بين أمرين أحلاهما مر.

وفُرض المر علينا، وفي كل خطوة كنا نزداد انقساماً، وابتعاداً ونفوراً، حتى صار الشعب الواحد الموحد ألف شعب وشعب.

وغنى المطربون لانقسامنا، وقال بعضنا لبعضنا الآخر: أنتم شعب واحنا شعب، وبات طبيعياً أن تسمع البعض يقول: “أنتم اللي ركبتوه علينا”، ومن البعض الآخر يقول: “هم السبب فيما نحن فيه”، وصرنا مواقف وجماعات وسياسات وأفكار شتى، ترى الخلاف قبل أن تدرك المشتركات.

**

واليوم عدنا إلى المربع الأول، كأنه لم تقم في مصر كل هذه الأحداث، يتعامل معها البعض كأنها لم تكن، وهو في الحقيقة يريد لنا أن ننسى أنها حدثت، مطلوب منا أن ينمحي من ذاكرتنا أنها كانت حقيقة على الأرض، هم يريدون لتلك الأيام ألا تعود مجدداً، رغم أنهم يعيدون إنتاج أسبابها، ويمضون على نفس السياسات التي أودت إليها.

عاد وجه الاستبداد القبيح، وظهر الفساد مجدداً أثوابه يمارس هوايته في نهش لحم البلد، والغلاء ينهش في لحم المواطن الغلبان، والقهر يزداد منسوبه كل يوم، وفئات اجتماعية باتت أفقر من قبل، وفقدان الأمل يصنع قنابل موقوتة في كل مكان.

**

بلد فيه كل هذا الصراع حول تاريخه، وفيه كل هذا الانقسام جراء نظم التعليم فيه، وفيه كل هذه الطبقية المتوحشة التي زادت من فرقتنا، وقسمتنا شعوباً وقبائل، والمترفون الذي يقيمون أعراس بناتهم وصبيانهم في أوروبا باتوا بعيداً جداً عن أولئك المعوزين الذين يبحثون عن بقية طعام في القمامة.

لا أمل في التقاء، ولا طريق تجمعهم عند اللقاء، والخوف كل الخوف على مصر من هذا الفراق الذي لا لقاء بعده.!

ويبقى السؤال الممض:

لماذا بعد أن شببنا عن الطوق، لماذا بعد أن أسقطنا مبارك وبدا أننا قد فطمنا من مستبدينا، نعود أدراجنا إلى الطفولة السياسية، لماذا ينتكس الشعب الذي قاتل مبارك وضحى بكل هؤلاء الشهداء والمصابين إلى طفولة ثانية، طفولة النوم في أحضان الديكتاتور وكأنه قدر مصر؟