قمة حكام القاع في البحر الميت

 

سرحت بي الأفكار والذكريات وأنا أشاهد وقائع قمة العرب في البحر الميت، ولأول مرة منذ وعيت على اجتماعات القمم العربية لا أشعر بأي شيء تجاه ما أراه أمامي على شاشات الفضائيات التي تنقل وقائع اجتماع ما تبقى من رؤساء وملوك وأمراء العرب في قمتهم الثامنة والعشرين بالأردن الهاشمي!

مشاعر الغضب والثورة وأحيانًا مشاعر القرف والاشمئزاز والاستهجان، كلها مرت علينا في اجتماعات سابقة مماثلة، أما هذه المرة فلا مشاعر ولا رغبة في تقييم ما يجري أمامنا من تحركات على قطعة الشطرنج، فقدت الأمل في أن يأتي من جانبهم خير للعرب، بل فقدت الأمل في ألَّا يأتي من جانبهم شر على أمة العرب.

أذكر أني كتبت مطولًا أهجو قمة القادة العرب في التسعين من القرن الماضي، وهي تجتمع لتنشر في الأجواء غطاءً عربيًّا لغزو أمريكي للعراق، اجتمعوا لساعات في القاهرة وتحت رئاسة حسني مبارك وانفضوا بعد أن وضعوا في الأيدي الأمريكية الغازية صك احتلال بغداد.

وأذكر أني كتبت عن قمم أخرى لم تكن لتنعقد إلَّا لتتقدم خطوات جديدة في مسيرة الانحدار العربي، ومرة قلت لهم: أنتم تصنيف وحدكم، بل أنتم خارج كل تصنيف، مر بنا من قبل خونة، حتى الخونة يستنكفون ما تصنعون، أو بالأحرى ما لا تصنعون، أنتم تصنيف وحدكم، أنتم لستم منا، ونحن لسنا منكم، ولا هذا العصر عصرنا، ولا أنتم باقون إلى الأبد، فهذا الخزي لا يمكن أن يدوم، الخزي لا يدوم..

غدًا تصرخ في وجوهكم الجماجم، غدًا تحاصركم ملايين العيون التي خرجت من مكامنها، غدًا تنعق فوق قبوركم أبواق اللعنة،ستلعنكم تلك الدماء التي سالت وتسيل فوق دجلة والفرات، ستلعنكم في اليوم ألف مرة أمهات الموت والفزع في فلسطين، سيلعنكم الجنين في رحم الموت، ستلعنكم عيون حلمت بالحياة، ستلعنكم اللعنة، وغدًا ترقص الديدان فوق أجسادكم الجيفة، ها أنتم إلى قاع القاع انزلقتم، فلتبق هنا كتلك الجثث المنتنة، المحشوة عفنًا، المملؤة فسادًا، هذا فصلكم الأخير، وبعده لن تكونوا هنا، وسيسدل الستار عن «مسخرة» القرن وكل القرون، عن «مسخرة» حكام القاع!

لم أكن أتوقع حين كتبت بكل غضب اللغة أتبرأ من حكام القاع أنهم سيصلون إلى قاع القاع في البحر الميت!

ولم أكن أتصور أنني يمكن أن أشاهد وقائع قمتهم القاعية بلا مشاعر، لا مشاعر غضب ولا حتى مشاعر قرف واشمئزاز، بدوا أمامي وهم يروحون ويجيئون كأنهم دُمى تتحرك فوق مسارح الدم العربي المسفوح في كل مكان، والمؤسف أن لعبة الدمى تحركها أصابع مختفية خلف ستار، فيما دمى القادة العرب تحركها أصابع ظاهرة للعيان، كأنهم فقدوا حتى حياءهم من لعب دور الدمية في العلن.

قبل قمة القاع في البحر الميت بقليل، كشف جنرال أمريكي عن أن إحدى الدول «الحليفة والمقربة للغاية» من أمريكا قامت باستخدام صاروخ «باتريوت» المضاد للصواريخ والطائرات، والذي تبلغ قيمته حوالي 3 ملايين دولار، لإسقاط طائرة «كوادكوبتر» الصغيرة من دون طيار.

وعلق الجنرال خلال ندوة عسكرية بثها الجيش الأمريكي على يوتيوب، قائلًا: «نحن جميعًا نحب صواريخ باتريوت لفعاليتها، ولكن إسقاط مثل تلك الطائرة ليس جيدًا من الناحية الاقتصادية بسبب ارتفاع كلفته» موضحًا أن قيمة طائرة كوادكوبتر عبر موقع أمازون تبلغ 200 دولار فقط، ثم قال ساخرًا من الدولة الحليفة المقربة إلى واشنطن: «لو كنت عدوًّا لاشتريت أكبر عدد ممكن من طائرات كوادكوبتر الصغيرة بـ300 دولار، لاستنزاف كل صواريخ الباتريوت لدى الدولة الأخرى».

يهزأون ويستهزئون من حلفائهم علنًا وهم يتحدثون عن الدولة الكبرى التي أول حرف من اسمها السعودية، والتي كان لها براءة اختراع إسقاط العصفور بالمدفع!

 

لماذا لا يهزأ بنا أعداؤنا وهم يبيعون لنا السلاح الذي نقتتل به ويقتل به بعضنا بعضًا؟

لماذا لا يهزأون بنا وهم الذين يستخدمون المال العربي في تمويل كل الحروب ضد البلدان العربية؟!

بالورقة والقلم يمكن لأي طالب في المرحلة الابتدائية أن يحسب تكاليف الحرب على الأرض السورية، التي استقدمت إليها قوافل المرتزقة من كل بلاد العالم، واستخدمت فيها أحدث وأشرس الأسلحة، وأنفقت فيها المليارات التي كانت كفيلة بأن تحل كل مشاكل الفقر والجوع والعوز في الربوع العربية المقهورة تحت حكم حكام القاع.

كأني كنت أشاهد وقائع مسرحية قديمة تعيد الشاشات إذاعتها مرات ومرات، لا جديد في قمتهم، غير ما يبطنونه من مآسٍ جديدة، يتجمعون أو تم جمعهم ليضعوا أختامهم عليها.

تعودنا منهم على أنهم لا يجتمعون إلَّا على «تراجع» مخزٍ، وعودونا على أنهم لا تتوحد كلمتهم إلَّا على «تنازل» جديد.

لا يجمع بينهم غير «الولاء» لسيد واحد، وخارج هذا الولاء هم مختلفون في كل شيء، وعلى كل شيء، ولا شيء يجمع بينهم غير السمع والطاعة لولي الأمر القابع في البيت الأبيض!

لا تدرك منهم غير فخامة الصفات وتدني الأفعال، لهم صفات الفخامة والجلالة والسمو، وليس منهم غير أفعال السذاجة والخيانة والتدني!

هذه المرة يجتمعون والدول المختلف على تمثيلها في قمتهم أكثر من الدول المتفق على ممثليها، اليمن فيه مشكلة حول من يمثلها، ليبيا فيها نفس المشكلة، سوريا المغيبة بالتواطؤ تعاني المشكلة الأكبر.

بعضهم آثر عدم الحضور فاقدًا الأمل في أن يكون لاجتماع القادة أي فائدة تذكر، وملك المغرب الذي رفض أن تنعقد القمة الماضية على أرضه يرى أنها اجتماعات بلا قيمة، ولا يجوز تضييع الوقت فيها!

أما الشعب العربي من المحيط إلى الخليج فكان قد فقد الثقة في أن يكون لهؤلاء كلمة موحدة، وآمن بأنهم زوائد دودية لا قيمة لها، والخير كل الخير في استئصالها.

مكلمة عربية تكرر نفس الخطابات المكررة من دون ملل، كأنهم خُشب مسندة لا تعي ما تفعل، ولا تفكر فيما تقول، اجتمعوا على ضفاف البحر الميت ليشيعوا جثمان النظام العربي إلى مثواه الأخير في جوف القاع!