فيلم البائع

فى نادى سينما الجزويت بستوديو ناصبيان فى الفجالة، شاهدت الفيلم الإيرانى “البائع”، بعد أن فاتتنى فرصة مشاهدته فى دور السينما. شاهدت الفيلم مع مجموعة متنوعة من الأصدقاء: قاض جذبته حرفة الأدب ولا ينتمى إلى تيار القضاء الشامخ، ومطربة أعتزلت الفن ليس لإرتداء الحجاب وإنما رفضا لسيطرة رأس المال الجاهل على ساحة الغناء، ولاجئة سورية تعيش فى مصر هربا من استبداد نظام بشار. وكان هذا الفيلم قد فاز بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبى منذ حوالى شهر مضى (تغيب طاقم العمل عن حضور حفل استلام الجائزة احتجاجا على قرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب منع مواطنى سبع دول إسلامية من دخول الولايات المتحدة)، كما فاز بجائزة أفضل سيناريو وجائزة أفضل ممثل فى مهرجان كان السينمائى الدولى فى دورته الماضية، وهذا ما دفعنى إلى مشاهدته، خاصة وأننى – بسبب احتكار السينما الأمريكية لشاشات العرض التجارى فى مصر – لم يسبق لى أن شاهدت أفلاما من السينما الإيرانية، التى يكافح مبدعوها للاستمرار رغم القيود المفروضة عليهم منذ اندلاع الثورة الإسلامية عام 1979.

يحكى الفيلم قصة الزوجين عماد ورنا اللذان يستيقظان ذات يوم على أعمال حفر صاخبة تجرى بجوار المبنى الذى يقطنان فيه، تهتز عمارتهما السكنية وتبدأ فى التصدع، ونشاهد زجاج النوافذ وهو يتشقق. يهرع الزوجان لمغادرة المبنى فورا، تاركين كل شىء وراءهما. ونلمس من البداية مدى شهامة الزوج عماد الذى يعود من أجل مساعدة سيدة مسنة فى نقل ابنها المعاق لخارج المبنى الذى قد ينهار فى أى لحظة، ولحسن الحظ لا ينهار المبنى، لكنه يصبح خطرا وغير قابل للسكن فيه، ويجد الزوجان أنفسهما فى الشارع دون مأوى.

يعمل عماد مدرسا فى مدرسة ثانوية، ويتمتع بمحبة وصداقة طلابه، ويعمل فى المساء ممثلا فى فرقة مسرحية متواضعة، وتعمل رنا كذلك ممثلة فى الفرقة نفسها، وكانا يستعدان مع فرقتهما لعرض مسرحية مأخوذة عن نص الكاتب الأمريكى آرثر ميلر “موت بائع متجول”. ويخطط الزوجان للمبيت فى المسرح حتى يجدا مسكنا مناسبا، إلا أن أحد زملائهما يخبرهما أنه يعرف شقة شاغرة يمكنهما الانتقال إليها فورا، ويساعدهما باقى أعضاء الفرقة فى حمل متعلقاتهما إلى الشقة الجديدة التى تقع فوق سطح عمارة سكنية بوسط مدينة طهران المزدحمة. يكتشف عماد أن هناك غرفة موصدة فى تلك الشقة، ويخبره زميله أن المستأجرة السابقة قد خزنت أغراضها فى تلك الغرفة، وتحتاج عدة أيام لتأتى من أجل نقل أشيائها. وتمر الأيام ولا يأتى أحد ويستفز هذا الأمر عماد بشدة، فيفتح الغرفة وينقل أغراض المستأجرة السابقة إلى السطح، ويحمى الأغراض من المطر بمفارش بلاستيكية سميكة، إلا أن السيدة تغضب بشدة عندما تعلم بما فعله، وتتوعده عبر الهاتف بأن الأمر لن يمر بسلام.

أحداث الفيلم يرويها أصغر فرهادى (كاتب السيناريو ومخرج الفيلم) بمهارة شديدة وعلى مهل، فهو لا يتعجل شيئا، بل يجعل المشاهد دائما فى حالة تساؤل: ماذا سيحدث بعد؟ ما سبب هذه الرتابة فى العلاقة بين الزوجين؟ لماذا يبدو كلاهما دائما فى حالة شرود وكأنهما يعيشان فى مكان آخر وزمان آخر غير المكان والزمان الحاليين؟ لماذا تجاهل عماد السيدة التى أدعت كذبا أنه تحرش بها فى التاكسى؟ وهو ما يجعل عقل المشاهد مثقل بكثرة الأسئلة، وفجأة يحدث أمر يغير مسار الأحداث، ويكشف المشاعر، ويـُخرج كل ما هو فى الباطن إلى السطح، عندما يرن جرس باب العمارة ذات ليلة، ورنا بمفردها فى الشقة، وتظن أن الطارق هو زوجها، فتفتح باب الشقة وتدخل الحمام لتستحم ريثما يصعد إلى السطح. وبعد ساعات يعود عماد للشقة فيجد آثار دماء على سلم العمارة وحتى الحمام، ويرى زوجته ممدة على أرض الحمام والدماء تسيل من رأسها إثر تعدى شخص عليها بالضرب، فيهرع بها إلى المستشفى.

ورغم نجاة رنا من الحادث الذى لم يترك أصابات جسيمة على جسدها سوى جرح بسيط بجوار حاجبها الأيسر، إلا أنه فى المقابل ترك جروحا غائرة فى روحها، أصبحت حزينة وكثيرة البكاء، وتخاف البقاء وحدها فى المنزل. يضع كل ذلك ضغوطا أكثر على عماد، بالتزامن مع انطلاق المسرحية التى تؤكد رنا قدرتها على المشاركة فيها، إلا أنها تنهار على المسرح فى يوم الافتتاح ويتم إلغاء العرض، قبل أن تـُستبدل رنا بممثلة أخرى.

يكتشف عماد أن الشخص الذى هاجم رنا قد ترك هاتفه ومفتاح سيارته داخل شقتهما، كما لو كان قد غادرها مسرعا. ينزل عماد الشارع ويجرب المفتاح فى جميع السيارات القريبة من العمارة، حتى يعثر فى النهاية على سيارة نقل صغيرة استجابت للمفتاح. تدور باقى أحداث الفيلم حول رحلة عماد للبحث عن هذا الشخص. يرفض إبلاغ الشرطة، لخوفه وخوف زوجته مما قد يعتقده الآخرون، ويفضل الانتقام بطريقته الخاصة، فهذا الشخص عرض حياة زوجته للخطر، وانتهك عرضها الذى هو عرضه أيضا.

يسيطر شعور الانتقام على عماد، ويبدأ فى التعامل بحدة مع كل الأشخاص الذى يعرفهم. يهين بقسوة تلميذا فى المدرسة بدر منه تصرف أحمق، ويستغل دوره على المسرح فى سب وإهانة زميله الذى ساعده فى العثور على الشقة، وذلك لأنه لم يخبره بأن المستأجرة السابقة كانت سيدة سيئة السمع، لكن الجمهور اعتقد أن ما جرى جزء من المسرحية. وأخيرا يصل عماد إلى الفاعل، وهو رجل تعدى الستين كان على علاقة غير مشروعة بالمستأجرة السابقة للشقة. يـُنكر الرجل اغتصاب الزوجة، ولا يجد عماد سوى وسيلة وحيدة للانتقام، هى أن يستدعى زوجة الرجل وابنته وخطيبها ليعترف أمامهم بأنه كان يتردد على شقة السيدة سيئة السمعة. وتسيطر على عماد الرغبة فى الانتقام، لدرجة أن رنا تهدده بأنها ستترك البيت لو لم يدع الرجل يرحل، وأصر على فضحه أمام أسرته. ويصاب الرجل فى النهاية بأزمة قلبية بعد أن صفعه عماد على وجهه، ولا يتحمل الرجل – المسن والمريض بالقلب – تلك الإهانة، ليموت ولتنهار الحياة الزوجية بين عماد ورنا.

فى فيلم “البائع”، يغوص أصغر فرهادى فى أعماق الإنسان الإيرانى المعاصر المنتمى للطبقة الوسطى، تلك الطبقة التى قد يطرأ عليها التغيير أكثر من الطبقات الدنيا أو العليا، بحكم أنها تتغذى باستمرار من الصاعدين إليها من درجات السلم الدنيا، أو الهابطين إليها من الدرجات العليا، وبحكم ميل أفرادها أكثر من غيرهم بالتظاهر بغير الحقيقة، تشبها بمن هم أعلى منهم، أو لتأكيد تميزهم عمن هم أدنى منهم. ويركز أصغر فرهادى على التحولات النفسية التى يمكن أن تحدث للأشخاص العاديين فى مواقف الحياة الصعبة، والأزمة التى يمكن أن يتعرض لها أى شخص فتكشف عن احباطاته ومشاعره الدفينة.

أجمل ما الفيلم هو لعبة تبدل الأدوار بين الضحية والمذنب التى جرت فى نهاية الفيلم، فالزوجة هى الضحية التى يعتقد زوجها أنها قد اغتصبت، والرجل المسن هو المذنب، لكنه سرعان ما يتحول إلى ضحية تتعاطف معه الزوجة نفسها عندما يوشك على الموت، بينما يتحول الزوج إلى مذنب. وقد تعاطفت أنا وصديقتى السورية مع الرجل، بينما لم يتعاطف معه صديقى القاضى وصديقتى المطربة، وهو ما يعكس ثراء الفيلم بوجهات النظر المتعددة.

وكان الربط بين أحداث الفيلم وأحداث مسرحية “موت بائع متجول”، التى يقوم الزوجان بدورى البطولة فيها، ربطا ذكيا ومدهشا، فالمسرحية تتناول حياة رجل مبيعات بائس يشعر أنه لم يحقق شيئا فى حياته على الإطلاق، فيقع فريسة للاكتئاب وتسوء علاقته بولديه عندما يعترف لهما بأنه كان على علاقة بامرأة أخرى منذ سنوات، فيشعر الولدان بالغضب من خيانة والدهما، وتنهار صورته الأخلاقية أمامهما، فيما ينتحر رجل المبيعات بحادث سيارة متعمد، كى تصرف شركة التأمين التعويض المالى لأسرته. وقد مر الزوج فى الفيلم بنفس مرحلة الضعف والانكشاف وعدم السيطرة على المشاعر التى مر بها رجل المبيعات فى المسرحية، كما أن حال إيران اليوم – من وجهة نظر أصغر فرهادى – لا يختلف كثيرا عن حال أمريكا الرأسمالية التى أدانها أرثر ميلر فى مسرحيته الشهيرة، فهى تحتاج إلى الهدم والبناء من جديد مثل حال المبنى المتصدع، وحال العلاقة الزوجية بين عماد ورنا.
أصغر فرهادى هو واحد من أهم المخرجين الإيرانين على الساحة العالمية حاليا، ولد فى أصفهان عام 1972، ودرس الفنون الجميلة فى جامعة طهران، وفى عام 2003 أخرج أول أفلامه الروائية الطويلة “الرقص مع الغبار”، وتوالت أفلامه بعد ذلك: “المدينة الجميلة” فى عام 2004، “الأربعاء الأخير” فى عام 2006، “بخصوص إيلى” فى عام 2009. وقد حصل الفيلم الأخير على جائزة الدب الفضى لأفضل مخرج فى مهرجان برلين السينمائى الدولى (نفس الجائزة التى حصل عليها يوسف شاهين قبله بثلاثين عاما). أما فيلمه التالى “انفصال” فى عام 2011، الذى يكشف الانقسام فى المجتمع الإيرانى من خلال قصة طلاق زوجين، فقد حصل على العديد من الجوائز، منها جائزة الدب الذهبى لأفضل فيلم فى مهرجان برلين السينمائى الدولى، وجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبى عام 2012.

وقد منحت هذه الجوائز إلى السينما الايرانية فى وقت كان فيه الرئيس المتشدد محمود أحمدى نجاد فى السلطة، الأمر الذى يطرح سؤالا مؤلما: لماذا تحقق السينما الإيرانية كل هذه الإنجازات السينمائية وتفوز بكل تلك الجوائز، رغم قسوة ظروف الإنتاج فى مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة رجال الدين، ورغم القمع والقيود التى تفرضها السلطة فى طهران على المبدعين، بينما لا تحقق السينما المصرية بتاريخها العظيم النسبة ذاتها من هذه الانتصارات، رغم أن ظروف الإنتاج أقل قسوة من هناك؟ سؤال يحتاج إلى عدة مقالات للإجابة عنه.