«علي معزة وإبراهيم».. المهرج ومدرّب اليوجا

أخفي هواجسي عن الجميع، أعيشها وحدي في صمت داخل غرفتي الصغيرة، حتى تراكمت كأتربة أبريل وأصبحت جبالاً، عالم موازٍ تكوّن تدريجيا من هواجسي الصغيرة، الهواجس التي كبرت معي وشبّت بشبابي وصارت أكثر نضجا وإحكاما ومنطقيّة، فآمنت بها دون أن يعلم الآخرين عنها شيئا، النهار ملكٌ للآخرين والليل لعالمي، شخصياتي الخياليّة تؤنس وحدتي وأصوات الجحيم تصارع حفيف النسيم الرقيق بداخلي فأعاني من الضوضاء، النسمات تلاطفني وأعين البشر تتهمني بالجنون، أنت مُختلف، بل أنتم الذين تجاهلتم هواجسكم فأصبحتم كالمعلّبات الجاهزة لأن يلتهمها أحدهم أو تنتهي صلاحيتها فتُلقى في القمامة، أنت مُختل، بل أنتم الذين تدّعون الاتّزان حتى تحوّلت قاماتكم إلى تماثيل حجريّة متماثلة في الشكل والهيئة.

الشارع كله يرتدي ذات الملابس، يردد الألفاظ نفسها ويتعامل بالشكل والمضمون ذاته، فلم ألمح أحدكم يحب “معزة” ولا آخر تطارده أصوات من الماضي لتقتله أو تُفقده السمع بينما هو يصارعها كي يبقى حيّا، أو يموت بأناقة تليق بإنسان يحب الحياة، علي كان مختلفا، وإبراهيم كان مختلفا، كانا مُختلفين حتى عن بعضهما بعضا فكان الصراع أكثر تداخلا في دراما صنعها عقل إبراهيم البطّوط وجسّدها “المهرج” علي صبحي، ومدرّب اليوجا “أحمد مجدي”. 

“والواد اللي عاش طول عمره يحايلك، ونفسه اسمه ييجي في رسايلك”

كلمات كتبها مصطفى إبراهيم، حينما ألقت به الظروف ليجد نفسه حاملا “الجرين كارد” وعلى متن طائرة متجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية في حالة شجن كلاسيكيّة جعلته يتأمّل حذائه الذي تهالك فوق شوارع بلده، بينما يستعد لملامسة أرض أخرى وعالم آخر يخرج إليه للمرّة الأولى، هي كلمات بدأت بها أحداث فيلم “علي معزة وإبراهيم” الذي يحكي عن المنبوذين الذين سجنهم الناس في هواجسهم البريئة، المغتربين في بيوتهم وحاراتهم وشوارعهم، أحدهم متعلّق بحيوان أليف والآخر تطارده أصوات قضت على عائلته ودمّرتها للأبد، الشابان اللذان خاضا رحلة مشتركة داخل البلاد وداخل أنفسهم بحثا عن إجابات لأسئلة لم يسعفهم الكلام لصياغتها، الشخصيات التي تجسدت بمهارة فائقة من علي صبحي وأحمد مجدي على خلفية كلمات مصطفى إبراهيم لتصف حالة الاغتراب، الحالة التي شعر بها مصطفى منذ حوالي تسع سنوات وكتب عنها تلك الكلمات، وهي نفسها الحالة التي طاردها بطلا الفيلم الذي انتهى نهاية غير متوقعة كما بدأ دون تمهيد بصميم الأزمة، فيلم عنوانه التلقائية في التمثيل وبساطة الحوار والاختيار الموفّق جدا لأغنية البداية.

“وقت الشتا يتدفّى بيكي، وقت الخطر تتحامي فيه”

وماذا يريد علي وإبراهيم سوى دفء وأمان؟ تقريبا تلك هي أسس الصراع داخل أغلب الجنس البشري، الدفء والأمان، حتى الحب الذي يُعد المحرّك الأساسي للحياة هو مزج بين الدفء والشعور بالأمان، ومع ذلك فأبطال فيلمنا متّهمون بالجنون ومعاقبون بالنبذ بسبب بحثهما عن هذين الشعورين، ولا يوجد تعريف للغُربة أدق من هذا الحال.

خواطر وأفكار كثيرة سيحدثها هذا العمل في نفس كل من سيشاهده، ومعنى دقيق وذكي موجود في كل مشهد وتكوين بصري من صناعة المخرج “شريف البنداري”، الفيلم مختلف تماما وينبئ بمرحلة أكثر جرأة ومغامرة في صناعة السينما في مصر، فكُل عنصر من عناصر تكوينه فيها مغامرة بداية من القصة واختيار الأبطال وحتى أغنية البداية، وربما من ضمن مفاجآت هذا العمل حصول بطله “علي صبحي” على جائزة أفضل ممثل في مهرجان دبي السينمائي، وهي جائزة مستحقّة، على أوّل عمل سينمائي طويل له، فنحن هنا أمام مغامر حقيقي يواجه تركيبات الشللية والمحسوبية وحسابات الأوساط الفنّية بموهبة مجرّدة وصدر عارٍ ليحصد الجوائز والإعجاب والاحترام.