صواريخ اليمن نحو قلب المملكة

في ضربة جديدة توجهها قوى الشعب اليمني دفعاً للعدوان عليها، قامت القوة الصاروخية في الجيش اليمني مساء أمس السبت باستهداف قاعدة الملك سلمان العسكرية الواقعة في قلب العاصمة السعودية الرياض باستخدام صاروخ باليستي من نوع “بركان 2” في ضربة نوعية قاصمة أثارت ذعر عاصمة المملكة، لم تكن هذه المرة الأولى التي يوجه فيها اليمنيون ضربة صاروخية باليستية لقوات وقواعد التحالف الخليجي للعدوان على اليمن داخل وخارج الأراضي والسواحل اليمنية ولكنها مثّلت الاستهداف الأول بهذا الحجم للعاصمة الرياض.
تعيد الضربة إلى الأذهان ما يمتكله الجيش والقوات المسلحة في اليمن من ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية قُدرت عام 2015 بحوالي 300 صاروخ، ورغم زعم التحالف الخليجي بزعامة السعودية أنه دمر 80 % من تلك الترسانة إلا أن القوة الصاروخية في الجيش اليمني استمرت في توجيه الضربات لقواته بكفاءة وبمعدل متصاعد حمل في كل مرة مفاجآت جديدة، يعود تاريخ الصواريخ الباليستية اليمنية إلى عهد ما قبل الوحدة التي قامت بين الشمال والجنوب في اليمن ودمجتهما في الجمهورية اليمنية بشكلها الحالي، حيث امتلكت “الجمهورية العربية اليمنية” – الشطر الشمالي قبل الوحدة مجموعة من صواريخ “سكود” الباليستية قامت بشرائها من الاتحاد السوفييتي وشملت حوالي ثمانين صاروخاً من نوع “SS21” قصير المدى، وعلى التوازي حصلت “جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية” – الشطر الجنوبي قبل الوحدة من الاتحاد السوفييتي على عدد كبير من صواريخ “سكود B” الأكثر تطوراً والتي بلغ مداها 950 كيلومتر وعدد من البطاريات الخاصة بها ، من هنا تأسست الاعتمادية العسكرية اليمنية على فلسفة حربية كتلك خاصة ًفي ظل الضعف الدائم للموارد في اليمن والذي لم يسمح بالعمل على امتلاك أو تطوير اسلحة من نوع مختلف ليخلق امتلاكها والعمل عليها وبها فلسفة قتالية مختلفة ، بعد وحدة الشطرين الجنوبي والشمالي عام 1990 وفي سياق التحولات التاريخية الكبرى وقتها في الاقتصاد العالمي وأنظمته العامة ومن ثم في البحث العلمي وفلسفته ، شرعت الدولة الجديدة في شراء الصواريخ الباليستية من كوريا الشمالية وأضافتها للترسانة الموجودة بالفعل ، وكان أبرز تلك الصواريخ “هواسونج” المُطوَّر كورياً عن “سكود B” السوفييتي الذي حصلت عليه كوريا الشمالية من مصر قبل ذلك في عام 1979 وقام البحث العلمي الكوري الشمالي بالعمل على تطويره بدئاً من عام 1985 ليصل إلى نسخة “هواسونج” ذات المدى الأطول كثيراً والقدرة التدميرية الأعلى من النسخة الاولى السوفييتية ، وهي النسخة التي اشترت إيران من كوريا الشمالية حوالي 100 قطعة منها في 1985 لتعمل على تطويرها وصولاً إلى النسخة الإيرانية منها “شهاب 1” ، على أي حال استمر تدفق صواريخ كوريا الشمالية إلى اليمن الموحّد حتى عام 2003 حين تم اعتراض الأمريكيين السفينة الكورية الشمالية “سوسان” التي كانت تحمل خمسة عشر صاروخاً من نوع “هواسونج” إلى اليمن وتم تهديد الأخيرة بعقوبات دولية، وهو التهديد الذي لم يُنفَذ وتم استخدامه فقط لابتزاز اليمن سياسياً لإشراكها فيما سُمي وقتها بـ”الحرب على الإرهاب” ومن وقتها لم تصل المزيد من الصواريخ من كوريا الشمالية إلى اليمن.
منذ بداية العدوان السعودي كثيراً ما أعلن الحكم الجديد في اليمن عن تطويره مَحَلياً لترسانة الصواريخ الباليستية لديه بشكل، على حد قول المسؤولين هناك ، سيصدم العالم وسيكون كفيلاً بالرد على العدوان حال عدم توقفه عن قصف المدنيين واستهداف الأبرياء والبنية التحتية اليمنية ، وسيكفل تحييد منظومة الدفاع الجوي “باتريوت باك 3” الأمريكية التي حصلت عليها المملكة في منتصف عام 2016 ، جائت الضربة الأخيرة لتؤكد ذلك المعنى بعد عدة ضربات سابقة موجعة نرصد أبرزها وأهمها استراتيجياً على النحو الآتي :
ضرب قاعدة التحالف في معسكر “صافر” في مأرب – سبتمبر 2015
في الرابع من سبتمبر أطلقت القوة الصاروخية للجيش اليمني صاروخاً من نوع “توشكا” استهدف قاعدة عسكرية ومخزناً للذخيرة ترتكز فيهما قوات التحالف الخليجي ، مسببة ًانفجار ضخم خلّف خسائر بشرية فادحة للتحالف بلغت حوالي 50 عنصراً اماراتياً و10 عناصر سعودية و5 عناصر بحرينية وحوالي 30 عنصراً من القوات الموالية لهادي الرئيس المنتهية ولايته لليمن ، فضلاً عن أضرار بالغة للموقع العسكري الذي ضم المئات من الأسلحة المتطورة والآليات الحديثة والمروحيات ومنظومات الصواريخ المتقدمة ، والذي مثّل النجاح في استهدافه بدقة انجازاً استخباراتياً يمنياً على مستوى تحديد الإحداثيات ، وأيضاً جمع المعلومات في سبيل التوقيت المناسب والأنجح لتنفيذ ضربة تسبب أكبر قدر من الخسائر .

ضرب السفينة الاماراتية قبالة سواحل اليمن وقاعدة الملك فهد في الطائف – أكتوبر 2016
شهد شهر اكتوبر من عام 2016 استهداف القوة الصاروخية لسفينة “سويفت” الإماراتية متعددة الأغراض التي كانت في طريقها إلى ميناء “المخا” على البحر الأحمر بصاروخ باليستي كبير ، القطعة البحرية التي استُهدفت ودُمرت ذات صناعة استرالية وتابعة للقوات البحرية الإماراتية وتُستخدم في النقل العسكري اللوجيستي واستقبال المرحيات وقادرة على حمل مئات الأطنان من الأسلحة وتتمتع بسرعة فائقة رغم ضخامة حجمها ، وكانت متوجهة إلى جبهة محافظة “تعز” في اليمن في مهمة لوجيستية وفق ما ذكرته جماعة “أنصار الله” ، مثّلت الضربة تهديداً بالغاً لسيطرة التحالف على السواحل اليمنية المحاصَرة التي تسيطر عليها القوة البحرية للتحالف مساهمة ًفي ضرب اليمن وحصار وتجويع شعبه وأنهت التواجد العسكري السهل لتلك القوة في تلك السواحل .

في الشهر نفسه أعلنت القوة الصاروخية دخول صاروخ “بركان 1″ الخدمة وذلك بعد عملية وُصفت بـ”التجريبية” وشهدت إطلاق الصاروخ على قاعدة الملك فهد الجوية في محافظة “الطائف” السعودية ، كانت الضربة بمثابة تتويج لعملية علمية وتقنية طويلة الأمد طالما تحدث عنها المسؤولون اليمنيون في سبيل تطوير منظومتهم الصاروخية ، واستهدفت قاعدة هي أحد المرتكزات الاستراتيجية للقوات السعودية إذ تُعَد من أقدم القواعد الجوية هناك وتضم أكبر مركز صيانة متطور للقطع العسكرية والآليات هو الوحيد من نوعه الذي يُدار مباشرة ًمن وزير الدفاع ، كما تضم منظومات طيران متكاملة ذات دور حيوي لإدارة الطيران الحربي السعودي ، يبلغ مدى “بركان 1” حوالي 800 كيلو متر وتم تطويره بأيدٍ يمنية خالصة ويبلغ وزنه ثمانية أطنان ، ويحمل رأساً حربياً صُممت قوته التدميرية خصيصاً لضرب القواعد العسكرية الضخمة بقدرة تدميرية عالية ، وجائت الضربة بعد استهداف طيران التحالف لمجلس عزاء يمني مخلفاً وراءه نحو 150 شهيداً مدنياً .
ضرب قاعدة الملك سلمان في الرياض – مارس 2017
يُعَد استخدام صاروخ “بركان 2” في ضرب قاعدة الملك سلمان الجوية في الرياض مساء السبت 18 مارس هو الاستخدام الثاني له بعد استخدامه في استهداف قاعدة عسكرية في منطقة “المزاحمية” غرب الرياض مطلع الشهر الماضي ، الصاروخ الذي تم تطويره مَحَلياً وسبق للقيادة اليمنية الإلماح بقدراته الرادعة يبلغ مداه حوالي 1400 كيلو متر ويمكنه تغطية 80% من مساحة المملكة السعودية فضلاً عن تمتعه برأس حربي ذكي قادر على تجنب تعقُب وإعاقة المضادات الجوية ، يمثّل استخدامه بداية مرحلة جديدة متطورة من التهديد الاستراتيجي للمملكة فالقاعدة الجوية المستهدفة والتي كان يُطلق عليها “قاعدة الرياض الجوية” تقع في قلب محيط محافظة الرياض ، وأعلنت القوة الصاروخية عن إصابته لهدفه بدقة عالية مع انتشار الهلع في منطقة الرياض جراء سماع دوي الانفجار الهائل الناتج عن الاستهداف وتوقف جزئي للرحلات الجوية في مطار الملك خالد الدولي في العاصمة .