صراع النفط والسلطة يعيد ليبيا إلى مربع الصفر

تتفاقم الأزمة في ليبيا يومًا تلو الآخر، مع اشتعال الوضع السياسي والميداني على الأرض، لا سيما في منطقة الهلال النفطي، والتي تشهد اشتباكات دامية بين مليشيات تابعة لحكومة الوفاق وعناصر من الجيش الليبي، بعدما شنت الأولى والتي تعرف باسم”سرايا الدفاع عن بنغازي” هجومها على المنطقة قبل أيام.

وطالت نيران الاشتباكات اتفاق “الصخيرات” السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، حيث أعقبها مباشرة تصويت مجلس نواب طبرق، بإجماع الحاضرين، على إلغاء اعتماد الاتفاق الموقع عليه من جميع الأطراف منذ ما يقارب 15 شهرًا، على خلفية التطورات التي شهدتها منطقة الهلال النفطي وسيطرة قوات “سرايا الدفاع عن بنغازي” على ميناءين نفطيين، الأمر الذي ينذر بعودة الأزمة إلى نقطة الصفر ونسف أي جهود إقليمية ودولية تسهم في حلها.

وكان رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، أعلن إلغاء الاتفاق بعد تصويت أغلبية النواب على إلغاء الملحق 1 من الاتفاق السياسي، كما علق المجلس بشكل مؤقت الحوار السياسي مع الفرقاء السياسيين لحين إصدار بيانات واضحة حول مواقفهم ممّا يجري في منطقة الهلال النفطي.

ولم تنجح محاولات الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر في استرجاع منطقة الهلال النفطي، رغم قيامه بضربات جوية عديدة، حيث لا تزال سرايا الدفاع تحكم سيطرتها على ميناءي السدرة وراس لانوف ومواقع أخرى، ويقول مراقبون إن التطورات الأخيرة تشير إلى تعميق الأزمة المستمرة منذ خمس سنوات، فمن ناحية يتهم مجلس النواب سرايا الدفاع بأنها تابعة لتنظيم القاعدة، وشنت الهجوم على مناطق النفط لإعادة الفوضى، ومن ناحية أخرى أكد المراقبون أن القرار الذي اتخذه البرلمان سيؤدي إلى مزيد من عرقلة الحوار السياسي الذي ترعاه دول الجوار؛ مما يعقد الوضع أكثر، ويهدد جهود إحلال السلام والاستقرار.

وعلى المستوى الدولي لاقت التطورات الأخيرة ردود فعل إقليمية ودولية كثيرة، حيث طالب المجتمع الدولي الأطراف الليبية بالالتزام بالحوار السياسي كسبيل وحيد للأزمة القائمة، وقال الممثل الخاص للأمين العام ورئيس بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، مارتن كوبلر، إن التصعيد العسكري في منطقة الهلال النفطي يعرض العملية السياسية للخطر، ويهدد بنشوب نزاع أوسع نطاقًا.

وشدد كوبلر في بيان نشر على الموقع الإلكتروني للبعثة الأممية على أن “الأولوية العاجلة هي التخفيف من حدة التوترات ومنع وقوع المزيد من الخسائر في الأرواح وضمان أن تكون البنية الأساسية الوطنية والموارد الطبيعية الليبية تحت سيطرة السلطات الشرعية”. وأضاف “يبين هذا العنف غير المقبول في منطقة الهلال النفطي مرة أخرى ضرورة انخراط جميع الأطراف جديًّا في العملية السياسية في إطار الاتفاق السياسي الليبي”.

اتفاق الصخيرات الذي وقع برعاية أممية نص على إنشاء مجلس رئاسي ليبي، يتيح خلق حكومة وفاق تجمع كل الأطراف الليبية، غير أن الحكومة لم يتم الموافقة عليها من المجلس؛ لخلافات في تحديد أسمائها، ورغم اعتماد برلمان طبرق في يناير 2016 اتفاق الصخيرات، إلا أنه في الوقت ذاته أعلن تحفظه على بعض مواده وبنوده، مطالبًا بتعديلها، ولم يضمنه في الإعلان الدستوري لإضفاء الشرعية الكاملة لحكومة الوفاق الوطني التي يترأسها فايز السراج.

تعد منطقة الهلال النفطي ذات استراتيجية واسعة، نظرًا لوجود كميات هائلة من النفط بها، حيث تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتمتد على طول 205 كيلومترات من طبرق شرقًا إلى السدرة غربًا، وتتميز هذه المنطقة بموقعها الاستراتيجي من ناحية، ووجود كميات هائلة من النفط والغاز من ناحية أخرى، حيث تحتوي على 80% من قطاع الطاقة الليبي المقدّر حجمه بأكثر من 45 مليار برميل من النفط، و52 تريليون قدم مكعب من الغاز.

وأعاد الصراع مجددًا على منطقة الهلال النفطي وما أعقبه من قرار مجلس النواب بإلغاء اتفاق الصخيرات المخاوف لدى الكثيرين من اندلاع حرب أهلية؛ من أجل السيطرة على موانئ النفط والسلطة، في بلد يعاني منذ عام 2011 من أزمة سياسية حادة، وانفلات أمني وانتشار للسلاح، وأن يعيد ذلك الصراع الأزمة الليبية إلى المربع الأول مرة أخرى، بعد كافة الجهود التي قامت بها دول الجوار لحلحلة تلك الأزمة والقضاء على التنظيمات الإرهابية التي خرجت من رحمها، في ظل الخلافات الداخلية بين الأطراف التي تتنازع على الشرعية، حيث توجد ثلاث حكومات متصارعة، هي الوفاق الوطني وحكومة الإنقاذ في طرابلس، بالإضافة إلى الحكومة التي انبثقت عن مجلس النواب، وتدعى “المؤقتة” في مدينة البيضاء.