داعش.. استراتيجية التحرك في ليبيا

يعود التواجد الداعشي المعاصر في ليبيا إلى مطلع عام 2014 حين عاد المئات من عناصر ما سُمي بـ”كتائب البتّار” المقاتلة في سوريا والعراق إلى درنة في ليبيا، واستقطبوا المزيد من المقاتلين، وفي أكتوبر من العام نفسه، بايع عدد من التنظيمات التكفيرية “الخليفة”  أبو بكر البغدادي البيعة في نوفمبر، ليعلن تشكيل “ولايات” ثلاث لدولته المزعومة في برقة وفزّان وطرابلس، مما سمح لداعش بحضور قوي في محيط منطقة الهلال النفطي في شرق ووسط ليبيا، التي تضم 70% من احتياطات النفط في البلاد، وتشمل ميناءي رأس لانوف والسدرة المعروفين بالطاقة الاستيعابية الضخمة لتصدير النفط، فضلا عن سيطرة داعش على مدينة وميناء سرت في مايو 2015، والتي أصبحت بعدها مرتكزا رئيسيا لها، في ظل ثراء منطقة خليج سرت عموما بالنفط، إلى أن فقدت السيطرة عليها في ديسمبر 2016.

على مستويات عدة، تمثل ليبيا مرتكزا أساسيا ثالثا لداعش في منطقة الشرق الأوسط من حيث التواجد العسكري والإمكانات والانتشار والنفوذ، وبرغم انحسارات متوالية وشد وجذب في مناطق هذا النفوذ مع أطراف أخرى، فإن قيادة التنظيم تولي اهتماما كبيرا للعمل في ليبيا، خاصة مع انحسار المشروع الداعشي في سوريا والعراق، مما يحتم عليه الاتجاه إلى إقامة رافعة تدعم تواجده الاقليمي المتراجع تحت ضربات محور المقاومة هناك، ورفع واسع للغطاء السياسي الدولي عنه من قِـبَل نفس القوى التي أسهمت في تشكيله وتنشيطه ودعمه.

مع ازدياد حدة المعارك حاليا في شرق ووسط ليبيا حول منطقة الهلال النفطي يبرز السؤال: أين تكمن أهمية ليبيا في استراتيجية داعش؟ وما هو موقعها في تلك الاستراتيجية؟ ولماذا تُعَد ليبيا فرصة “محتملة” خصبة ومفتوحة لداعش لحيازة القوة والتمدد والبقاء؟

أولا: كنز النفط

في عام 2010 بلغ إجمالي الانتاج الليبي من النفط حوالي 1.7 مليون برميل يوميا، وبلغ في مارس 2015 حوالي 500 ألف برميل، وفي يناير 2017 بلغت صادرات النفط الليبية 675 ألف برميل يوميا، أي أن الانتاج النفطي في ليبيا لا يعمل بطاقته الكاملة، وهو ما يمكن فهمه بديهيا بالنظر إلى الأوضاع الأمنية والسياسية بالغة السوء، والتي لا تسمح في الوضع الحالي – القائم منذ فبر اير 2011 – بعملية مستقرة للاستخراج والتصفية والنقل، بالإضافة إلى امتلاك ليبيا لاحتياطات نفطية تبلغ 46 مليار برميل، بما يمثل حوالي 4% من احتياطات النفط على مستوى العالم، وفي هذا الإطار يمكن قراءة التواجد العسكري الكثيف لقوات حلف الناتو في البحر المتوسط عموما، ولاسيما في المنطقة المقابلة لمنطقة الهلال النفطي في شرق ووسط ليبيا، والتي تضم خليج سرت الذي يسبح فوق بحيرة هائلة من النفط انقضّت عليها بطبيعة الحال الشركات العملاقة الأوروبية والأمريكية بعد انهيار الدولة في ليبيا، وسيطرت عليها داعش لفترة يبدو أنها كانت كافية لتعظيم القدرات المالية للتنظيم، مما كفل له امتلاك المزيد من الأسلحة المتطورة والقدرات والإمكانات اللوجيستية، وتجنيد المزيد من العناصر برواتب مُرضية، وجذب مقاتلين جدد من فصائل تكفيرية أخرى.

الحقيقة أن سيطرة داعش على نقاط جغرافية غنية بالنفط وممرات لبيعه ونقله يُعَد من الأسس الاستراتيجية للتنظيم، كما رأينا في استخدام داعش للنفط السوري في محافظة الرقة، التي تُعتبر مقره الرئيسي الأول في الشرق الأوسط، والغنية بالنفط، بالإضافة إلى محافظة دير الزور التي تحتوي على 30% من مجمل النفط السوري، حيث قام التنظيم باستخراج وتصدير النفط بالتعاون مع النظام التركي مقابل نسبة من الأرباح، وذلك في الفترة السابقة للخلاف التركي الداعشي، في ظل عدم قدرة التنظيم على الوصول لمرفأ بحري على الساحل السوري يمكنه من القيام بالتصدير بنفسه أو الشروع في ذلك، إلى جانب سيطرة التنظيم على مدينة الموصل ومحيطها عاصمة إقليم نينوى في العراق منذ يونيو 2014، وهي مساحة تحتوي على العديد من الآبار ذات الإنتاجية العالية، ولا سيما في جنوب المدينة، حيث يقع حقلا “القيارة” و”نجمة” غزيرا الإنتاج، بالإضافة إلى حقلي “عين زالة” و”بطمة” أبرز حقول النفط في الموصل، وينتجان 20 ألف برميل يوميا، وبحسب خبراء، فإن التنظيم حقق أرباحا ضخمة بلغت حوالي 2 مليون دولار يوميا من تصدير النفط الخام برّيا نحو تركيا، ما أدى إلى ازدياد مطرد في القدرات المالية للتنظيم تسبب في ازدياد قدرته على الاستقدام الكثيف لآلاف المقاتلين من الخارج، والحصول على وسائل فائقة التطور في النقل والاتصال، فضلا عن تسليح متطور انعكس ميدانيا في قدرة التنظيم على الصمود العسكري رغم انسحاباته في تدمر والموصل والضربات الجوية الروسية المكثفة له.

مع سيطرة داعش على قطاعات واسعة من جنوب اليمن، قريبا من مضيق باب المندب الحيوي لمرور نفط الخليج المُصَدَر وخليج عدن المُطِل على موانيء الحاويات النفطية الضخمة في جيبوتي وأريتريا، ومبايعة مجموعات من حركة شباب المجاهدين في الصومال – قلب منطقة القرن الإفريقي ومدخل باب المندب – لأبي بكر البغدادي، ومع محاولات التنظيم حسم الأوضاع لصالحه في شبه جزيرة سيناء المُشرِفة على ممر قناة السويس الملاحي، والذي يكافئ في الأهمية مضيق باب المندب من حيث التحكم في نسبة ضخمة من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرا، نرى أن مناطق ارتكاز ونشاط وتواجد التنظيم دائما ما تكون إما مناطق ذات احتياطات نفطية ضخمة أو مناطق حيوية في نقل النفط وممراته البحرية، فرغم التقنيات التي يستلزم استخراج النفط وجودها، فإنه سلعة ذات ربحية ضخمة، سواء في صورته الخام أو المعالَجة، ويمثل مصدرا بديهيا للدخل الثابت بالنسبة للتنظيم في ظل انعدام بديل، خاصة ًوأن التنظيم لا يمكنه، وعلى الأغلب لن يمكنه، إقامة بنية اقتصادية تكفل له الإنفاق على أعماله المختلفة، فضلا عن كون “الدولة” التي يديرها التنظيم ليست دولة في حقيقة الأمر وإنما مناطق نفوذ غير مستقر متباعدة لن تمكنه من إقامة اقتصاد بالمعنى المفهوم.

ثانيا: غياب الدولة

تعتبر ليبيا إحدى الدول التي ينطبق عليها، منذ 2011، مفهوم “الدولة الفاشلة” بمعناه الدقيق، وربما مفهوم اللادولة أصلا، ففي غياب حكومة مركزية تدير البلاد وتبسط سيطرتها على الأرض، وترعى مؤسسات للدولة، وتحتكر استخدام القوة العسكرية، ومع اتساع الرقعة الجغرافية للبلاد – تبلغ مساحتها حوالي 1.8 مليون كم – والتي تتكون من صحراء مفتوحة مع تعداد سكاني قليل يبلغ حوالي 6 ملايين نسمة، وفي غياب أي تنظيمات شعبية أو مجتمعية، باستثناء القبائل المتورطة بدورها في صراعات مسلحة مع بعضها البعض وفي الانتماء للتنظيمات التكفيرية، تمثل الأراضي الليبية مجالا خصبا لأي قوى تريد أو تستطيع السيطرة على تلك المساحة، ولا سيما لو استطاعت أن تجد لنفسها أساسا أيديولوجيا وفكريا لدى السكان، أو أن تجلب مقاتلين وأسلحة من الخارج عبر الحدود فائقة الطول والاتساع، والتي تصعب السيطرة عليها لدرجة الاستحالة حتى في وجود حكم مركزي قوي، مع انعدام حضور قوة إقليمية مصرية في ليبيا، التي تُعَد مجالا حيويا طبيعيا للأمن القومي المصري، قامت قوى عالمية وإقليمية أخرى بملء ذلك الفراغ، وهو ما تبدى في الدعم القطري والتركي الكاملَين لميليشيات تكفيرية متعددة هناك.

قد تمثل محاولات الجيش الوطني الليبي بقيادة الفريق خليفة حفتر، فرصة لإقامة مشروع سلطة مركزية في ليبيا، ولكن مع سيطرة ما يُسمى بـ”سرايا الدفاع عن بني غازي”، وهو كيان تكفيري ائتلافي تشكّل من تنظيم أنصار الشريعة وحرس المنشآت النفطية ومجلس شورى ثوار بني غازي وعناصر من الإخوان المسلمين، على منطقة الهلال النفطي في الثالث من مارس الجاري وتراجع قوات حفتر، يبدو أن مهمة حفتر ستكون مستحيلة تقريبا، برغم دعم دولي جزئي له يظل في مقابل دعم آخر إقليمي ودولي مستمر للميليشيات التكفيرية، والتي تمثل داعش أحد الكيانات الرئيسية فيها.

ثالثا: انطلاق إلى “المتوسط” والعمق الإفريقي

منذ الإعلان عن نشأتها، لم تستطع داعش أن تؤمن لنفسها منفذا بحريا في الشرق الأوسط، رغم حضورها في العديد من الميادين والدول ذات الساحل، وفي ظل ما سبق ذكره حول انعدام وجود سلطة في ليبيا قد تتمكن داعش من كفالة حضور دائم ومستقر لها على أحد منافذ البحر المتوسط في الساحل الليبي، وهو أطول سواحل الدول الإفريقية على البحر المتوسط ويبلغ 1770 كم، مما قد يمثل لها منطلقا لحلمها التي عبّرت عنه في أكثر من مقطع مصوّر بمهاجمة روما، إحدى البوابات التاريخية لأوروبا بالنسبة للعرب والمسلمين، وما يستدعيه ذلك من مقاربات ينتحلها التنظيم لوقائع وفصول في التاريخ الإسلامي بخصوص غزو إسلامي لمحيط الفاتيكان، والحقيقة أن تلك المقاربات المعنوية والدعائية قد تخفي وراءها رغبة داعش في محاولة لعب دور إقليمي في منطقة استراتيجية كساحل المتوسط، الذي لا يحتوي فقط على منطقة الهلال النفطي السابق ذكرها، بل يمكّن القوى الحاضرة فيه من ممارسة نفوذ في كل من مصر وتونس المجاورتين، بما لهما من أهمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبما تضمانه من مرتكزات مسلحة وفكرية أيديولوجية لقوى تكفيرية، فضلا عن إمكانية قد تأتي بها الوقائع والمتغيرات لداعش، في حال استقرار الأمر لها، لتصدير النفط من أحد المرافئ الليبية على البحر المتوسط، بالتعارض أو بالتنسيق مع القوى العظمى المتواجدة في حوض هذا الساحل.

من ناحية أخرى، ونظرا للظهير الصحراوي المتسع لليبيا نحو إفريقيا جنوبا وغربا، سيكفل التواجد الداعشي في ليبيا ربط التنظيم بالمجموعات التابعة والموالية له في جنوب تونس، الذي يشهد تواجدا تكفيريا مسلحا، والبلد الذي أتى منه أغلب المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق، إلى جانب تواجد آخر في الجزائر المجاورة التي تشترك مع ليبيا بحدود فائقة الطول، وصولا إلى التواجد التكفيري في مالي جنوبي الجزائر ممثلا في جماعة المرابطين، وفي نيجيريا ممثلا في جماعة بوكو حرام التي ترتكب المذابح يوميا هناك.

ويكفل المناخ السياسي في الدول الواقعة غرب إفريقيا جنوب غربي ليبيا بطبيعته الحالية وبشكل عام، فرصة ًلداعش من حيث رخاوة أجهزة الدول هناك، والطبيعة الجغرافية، ووجود عدد كبير من المسلمين الذين يمكن استقطابهم نحو العمل التكفيري في ظل انتشار ذلك الفكر في مجمل العالم الاسلامي، بالإضافة إلى واقع التخلف الاقتصادي والثقافي والفقر السائد مما يداعب طموحات داعش في المزيد من القوة والانتصارات شِبه المجانية في أراض ودول أنهكتها الحروب الأهلية والانقسامات القَبَلية، مع مداعبة داعش بدورها للوجدان الإسلامي هناك بخطابٍ معادٍ للنفوذَين الفرنسي والغربي، ويربطهما بالتعداد السكاني المسيحي وغير المسلم.

موضوعات متعلقة