خلف البزار.. عاشر العشرة

كان مجتهدا، يتعب نفسه في تحصيل العلم ومدارسة القرآن، حفظ الكتاب الكريم وعمره 10 سنوات، وابتدأ كلب العلم وهو ابن 13 سنة.. أشكل عليه يوما باب من أبواب النحو، فأنفق ثمانين ألف درهم في سبيل فهمه وحفظه.. إنه الإمام خلف بن هشام بن ثعلب بن خلف الأسدي البغدادي البزار، القارئ العاشر في زمرة الأئمة المشتهرين، وهو أحد رواة حمزة، لكنه خالف أستاذه في اختيار خاص، وأمسى صاحب قراءة مستقلة، لذا يوصف بالعاشر عند ذكره باعتباره إماما صاحب اختيار، مفارقة لذكره باعتباره راويا عن حمزة.

ولد بالكوفة سنة 150، وأخذ خلف القراءة عرضا عن سُليم بن عيسى وعبد الرحمن بن حماد عن حمزة، وعن أبي زيد سعيد بن أوس الأنصاري عن المفضل الضبي.. وروى الحروف عن إسحاق بن المسيبي وإسماعيل بن جعفر ويحيى بن آدم، وسمع من الكسائي الحروف ولم يقرأ عليه القرآن بل سمعه يقرأ القرآن إلى خاتمته فضبط ذلك عنه.

وروى القراءة عنه عرضا وسماعا أحمد بن إبراهيم وراقد وأخوه إسحاق بن إبراهيم، وإبراهيم بن علي القصار، وأحمد بن زيد الحلواني، وإدريس بن عبد الكريم الحداد، ومحمد بن إسحاق شيخ ابن شنبوذ وغيرهم.. وحدَّث عنه: مسلم، وأبو داود، وأحمد بن حنبل، وأبو زُرْعَة الرازي، وأبو حاتم الرازي، وأحمد بن أبي خيثمة، ومحمد بن إبراهيم بن أبان السراج، وأبو يعلى المَوْصِلي، وأبو القاسم البغوي، وعدد كثير.

قال ابن أشته: كان خلف يأخذ بمذهب حمزة إلا أنه خالفه في مائة وعشرين حرفا في اختياره، وقد تتبع ابن الجزري اختياره فلم يره يخرج عن قراءة الكوفيين، بل ولا عن قراءة حمزة والكسائي وشعبة إلا في قوله تعالى: ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ) بالأنبياء فقرأ كحفص.. وترجم له الذهبي في سير أعلام النبلاء قائلا: الإمام الحافظ الحجة شيخ الإسلام أبو محمد البغدادي البزار المقرئ.. وتوفي خلف عام 229.
واشتهر عن خلف راويان هما إسحاق وإدريس، فالأول هو أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن عثمان بن عبد الله المروزي ثن البغدادي الوراق، قرأ عل خلف اختياره، وقام به بعده. وقرأ أيضا على الوليد بن مسلم، وكان إسحاق قيما بالقراءة ثقة فيها، ضابطا لها وإن كان لا يعرف من القراءات إلا اختيار خلف. توفي سنة 286 هجرية.

وأما الثاني فهو إدريس بن عبد الكريم الحداد البغدادي، وكنيته أبو الحسن.. قرأ على خلف البزار روايته واختياره، وعلى محمد بن حبيب الأشموني وهو متقن ثقة، سئل عنه الدار قطني فقال: هو ثقة وفوق الثقة بدرجة، وتوفي يوم الأضحى سنة 292 عن 93 عاما.. قال الإمام ابن الجزري في منظومته الدرة المضية في القراءات الثلاث المرضية: وإسحاق مع إدريس عن خلف تلا.
ومن منهج خلف في القراءة أنه يصل آخر السورة بأول التالية من غير بسملة كحمزة، ويقرأ بتوسط المدين المتصل والمنفصل، ويقرأ بنقل حركة الهمزة إلى السين قبلها مع حذف الهمزة في لفظ فعل الأمر من السؤال حيث وقع وكيف ورد إذا كان قبل السين واو نحو ( وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ) أو في فاء نحو ( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ).

وإجمالا، فقراءته لا تخرج عن قراءة حمزة والكسائي في جميع القرآن إلا في قوله تعالى ( وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ ) في الأنبياء ، فإنه قرأ ( وَحَرَامٌ ) كحفص، بينما قرأ حمزة والكسائي وشعبة بكسر الحاء بدون ألف بعدها (وحِرم).