حتى لا يكون الدين في خدمة الاستبداد

نقولها بفمٍ ملآن: حين استبدت السياسة بالدين استبد الحكام بالمواطنين، هكذا في كل التاريخ البشري، وفي التاريخ العربي خصوصاً، والغريب أن ما جرى على صفحات التاريخ الإسلامي من مصادرة للحرية باسم الدين تم رغم أن الحرية هي المقصود الأعظم للشريعة الإسلامية.
والحق إن بدء تاريخ الفتنة، وانتقال الحكم من الشورى إلى المبايعة بالسيف، كان بمثابة خلع لواحد من أهم مقاصد الشريعة، وبينما انهمك العلماء في التنظير، والتقعيد، لعلوم شتى، ولفقه عظيمٍ بقي على مر العصور، لكنهم ابتعدوا، أو أبعدوا، عن تقعيد “فقه الحرية”، والتنظير له، وظل ذلك الفقه غائباً بفعل انتقال الحكم واستمراره بالسيف.
ولا يختلف عاقلان في أننا بحاجة اليوم إلى أن نعيد التفكير ملياً فيما استقرت عليه أقوال العلماء الأقدمين حول مقاصد الشريعة، ليس بغرض نقضها، أو الاختلاف معها، فكل ما ذكره العلماء من مقاصد للشريعة معتبر، ولا خلاف عليه، ما نريد أن نعيد النظر فيه، ونمعن التفكير حوله، هو ما جرى إغفاله، ونراه أجدر بأن يكون أهم مقاصد الشريعة.
مطلوب الآن، وقد سُلبت الأمة الإسلامية حريتها، وسيقت عبر تاريخ طويل من الاستبداد، إلى حيث هي اليوم في ذيل الأمم تخلفاً من بعد تخلف، تتقلب فيه منذ عقود من الدهر، مطلوبٌ أن نؤسس لفقه تحتاج إليه الأمة وتتطلع إليه، حاجة يفرضها واقعها وتطلع إلى ما يسهم في نهضتها.
محنة الشعوب المسلمة تتجسد في مصادرة حرية “الإنسان”، وسحق إرادته، وتسليط الاستعباد، والكبت الفكري، والتسلط السياسي عليه، ومصادرة إرادته وحريته، وواجب علماء المسلمين أن يؤسسوا اليوم، وقبل الغد، الفقه الأعظم الذي يحتاجه المسلم أكثر من أي فقه، أن يأسسوا ويقعدوا “فقه الحرية”، وأن يجعلوا من الحرية المقصد الأعظم للشريعة، فالشريعة حيثما يصلح حال “الإنسان”، وحيثما تدفع فساده، و”الإنسان” هو المقصود من الشريعة، وصلاح حاله مقصدها الأعظم، مع درء فساد هذا الحال، ولما كان “الإنسان” هو المهيمن على هذا العالم، كان في صلاحه صلاح العالم وأحواله.
والإسلام يعالج صلاح “الإنسان”، الفرد، والنوع، وأول صلاح الفرد إصلاح اعتقاده، وأول صلاح النوع الإنساني في إصلاح معاملاته، والمسلمون بحاجة الآن إلى تقعيد جديد لأسس نظرية جديدة لمقاصد الشريعة تعلي من تأثيرها في المحيط الإنساني كله، وفي رأينا المتواضع يجب أن تقوم هذه النظرية على مفاهيم وأسس متفق عليها.
أولها ونقطة البداية فيها أن نعترف بأن التوقف عند القول بالمقاصد الخمس التي أوردها الإمام الشاطبي في “الموافقات”، هو في الحقيقة تقصير في أداء واجب التدبر، وتعطيل لفريضة التفكير.
ولابد أن ندرك أن التشريعات الوضعية تكاد تكون ألزمت نفسها بالعديد من المقاصد التي تضم مقاصد الشاطبي، وأجازف بالقول بأنها تكاد تكون تجاوزتها، ولذلك يتلعثم الكثير من المسلمين الآن أمام محاولات إثبات أن شريعة الإسلام تتضمن ما وصل إليه الغرب من تشريعات.
إن الدوران حول ما أورده الشاطبي من مقاصد للشريعة الإسلامية، يوقف حركة الاجتهاد حول “المقاصد”، وهي الحركة التي لا يجب أن تتوقف ما دام هناك إنسان قادر على التدبر في كتاب الله، والتفكير في خلق الله، ومفروض عليه إسلامياً أن يعمل فكره، كما أعمل الأسبقون فكرهم، وأن يقدم إسهامه، كما قدم الأسبقون إسهاماتهم، لم يوقفهم عن تقديم هذه الإسهامات حديث عن التمسك بما قدمه السلف الصالح.
معلومٌ أن الشريعة تستهدف “الإنسان”، وتحافظ على دينه، ونفسه، وعقله، وماله، ونسله، وهي نزلت للإنسان، وهو المخاطب بها، المطلوب منه إقامتها، المستخلف لإقامة دين الله في الأرض، والشريعة يطبقها “الإنسان” على “الإنسان”، و”الإنسان” لا يكون إنساناً إلا إذا كان حراً، و”الإنسان” لا يكون مسلماً إلا إذا كان حراً ،فلا إسلام بدون حرية، لأن اعتناق الإسلام يجب أن يجيء نتيجة اختيار حر “لا إكراه في الدين”، والمكره على الإسلام لا يتقبل منه إسلامه، يعني لا دين بلا حرية، فالحرية هي مدخل اعتناق الدين، وهي مناط التكليف الشرعي، ومن لا حرية لديه، لا دين له، ولا تكليف عليه.
الحرية أصل، ويجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم، أن الإسلام جاء ليخرج “الإنسان” من الظلمات إلى النور، من ظلمات العبودية للعباد، إلى نور العبودية لرب العباد، فأعطاه حريته، بل حرره من العبودية التي تحط من رفعة شأنه، وما حباه الله به من تكريم، ونوله حرية التكريم، بأن يكون سجوده لله وحده، وهو الذي كرمه من قبل بأن أمر ملائكته بأن يسجدوا له.
يجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن الإسلام ثورة حررت “الإنسان” الفرد، وفكت إسار المجتمع، وأشاعت فيه العدل، والمساواة، والتضامن، والإخاء، والتكافل، مكان: الظلم، والجور، وسيطرة الغني، على الفقير، وجور القوي على الضعيف.
ويجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن الإسلام رد إلى “الإنسان” إنسانيته، فرفعه من مهاوي “الحيوانية” التي اجتاحته عصوراً طويلة، إلى مصاف “الإنسانية” المكرمة، منذ أول إنسان، حتى آخرهم بفعل الله، وبأمره.
ويجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن “الإنسان” مخلوق الله المكرم الذي اتخذه الله خليفة في الأرض ليعمرها وليقيم فيها العبودية لله اختيارا، لا جبرا ولا تسخيرا.
يجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن “الإنسان” هو المخلوق الحر، صاحب الإرادة الحرة، وأن عليه أن يواصل السعي بدون توقف أو ملل، إلى تحقيق هذه الإرادة الحرة.
مقصد الشريعة الأهم هو إبطال العبودية، وإطلاق الحرية، وتعميقها، ذلك لأن إبطال عبودية “الإنسان” لغير الله، فيه استرداد لحريته، وحفاظ على أمانته، التي أودعت لديه من خالقه، والراسخون في العلم يعرفون ـ يقينا ـ أن غاية الشرع الإلهي هي: كرامة “الإنسان”، وتحريره، وتحقيق السعادة له في الدارين: الأولى والآخرة.
ويجب أن يرسخ في التصور الاعتقادي للمسلم أن الحرية ليست مجرد مدخل إلى تحقيق الشريعة، بل هي قبل ذلك مدخل لتحقيق إنسانية “الإنسان” موضوع الشريعة وهدفها، وأن رسالة الدين هي: إخراج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله الواحد القهار، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن جور الأديان، إلى عدالة الإسلام، باختصار: رسالة الإسلام هي الحرية، والحرية صنو الإسلام كلاهما فطرة.
الحرية هي مقصد الشريعة الأسمى، والحرية أصل، بل هي أصل كل الأصول، حتى لا يتحول الدين في خدمة الاستبداد، الذي هو أصل كل داء أصاب أمتنا على مر العصور.