حتى لا تتحول انتخابات الرئاسة إلى.. استفتاء!

مع بدء العد التنازلي لانتخابات الرئاسة المقرر عقدها منتصف العام المقبل، سيواجه الرئيس عبد الفتاح السيسى، خلال الشهور القليلة المقبلة، أصعب وأهم اختبار سياسي واجهه طوال حياته كلها، إما أن ينجح فيه ويستمر لفترة ثانية وأخيرة طبقا للدستور، وإما أن يحمل لقب “رئيس سابق” وينتهى مشواره السياسي القصير بكل ماله وما عليه.

قد يرى البعض أن هذه الانتخابات ستكون مجرد “مسرحية عبثية”، لن تسمح فيها السلطة لأيمن نور أو أحمد شفيق أو خالد علي أو أي مرشح آخر له ثقل سياسي بخوضها أمام السيسي، كما يتكهن آخرون بأن مجلس النواب سوف “يجيب من الآخر” ويقدم على إجراء تعديلات دستورية لمد فترة الرئاسة للسيسي عامين إضافيين، لتصبح 6 سنوات، وهو أمر في تقديري الشخصي لا يمكن أن يمر بسهولة إلا من خلال سيناريوهين لا ثالث لهما: أولهما تحسن الأوضاع الاقتصادية التي يمكن أن ترفع شعبية السيسي، وتقنع المصريين بقبول هذه التعديلات الدستورية لمد فترته الرئاسية، لكن يبقى أن تحسين الأوضاع المعيشية وكبح جماح الأسعار، وحل أزمات التضخم والبطالة، أمور من الصعب تحقيق أي إنجاز ملموس فيها خلال هذه الفترة القصيرة.
أما السيناريو الثاني فهو أن يتم فرض حالة الطوارئ في البلاد لسبب “كارثي” أو لآخر، يتم بمقتضاه إلغاء العمل بالدستور نفسه، وتفويض الرئيس بإدارة شؤون البلاد، وهو سيناريو من الصعب تسويقه وإقناع جمهور الناخبين به، لكنه يظل خيارا مطروحا على المستوى النظري!
وفي كل الأحوال تظل تقاليدنا المرعية في تزوير الانتخابات، مع إحجام المواطنين عن المشاركة فيها، هاجسا يراود معارضي الرئيس، الذين يتخوفون من أن تتحول انتخابات الرئاسة المقبلة إلى مجرد استفتاء روتيني بلا طعم ولا لون ولا رائحة، ليستمر الركود الذي يضرب كل أرجاء حياتنا السياسية حاليا، جاثما فوق صدور المصريين، يغتال كل أحلامهم في بناء نظام ديمقراطي قوي وعفي، يسمح بتبادل السلطة، ويكسر احتكار الصوت الواحد والرأي الأوحد، وينهي أسطورة الزعيم الملهم نصف الإله الذي يملك ويحكم، ويعرف مالا نعرف، ويرى ما لا نراه، في استدعاء بليد لتراثنا الطويل العريض مع الديكتاتورية والسلطة الغاشمة!
ورغم ذلك ، فإن أمام النخب السياسية المختلفة فى مصر ، فرصة كبرى لتغيير قواعد اللعبة الانتخابية ، سواء بطرح برامج إقتصادية بديلة للسياسات التى يتبعها الرئيس السيسى والتى حولت حياة المصريين لقطعة من الجحيم ، بدون أى أفق واضح يخفف من الأعباء الضخمة التى يتحملها ملايين الفقراء ومحدودى الدخل وغالبية شرائح الطبقة الوسطى ، أوبحشد أحزابها وكل تنظيماتها الجماهيرية لصياغة برنامج واضح للإصلاح السياسى والديمقراطى ، يوقف اعتداء السلطة التنفيذية على الدستور، وويمنع استمرار هيمنتها على السلطة التشريعية ، ويفرض عليها – بضمانات قانونية واضحة – إجراء انتخابات رئاسية حرة ونزيهة.
يمكن لهذه النخب أيضا أن تسأل السيسي “المرشح” وليس”الرئيس” كل أسئلتها الساخنة بمنتهى الحرية، على رأسها أسباب فشله في تحقيق وعوده التي أطلقها قبيل الانتخابات الماضية، التي قال فيها إن “مصر هتكون أد الدنيا، وإننا سنرى العجب بعد عام ونصف”، وأيضا عن أسباب تراجعه عن تصريحاته بعدم تخفيض الدعم قبل أن “يغني الفقراء”، ولماذا لم يصارحنا حينها “أننا فقراء أوي”، وعن دواعي إصراره على التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، ومدى ارتباط هذه الخطوة بما يتردد عن ترتيبات أمريكية كبرى لرسم خريطة سياسية جديدة للمنطقة، وعن تراجع مساحات الحريات العامة في مصر بعد ثورة يناير ولماذا لا يطبق شعاراتها في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية!
الانتخابات الرئاسية المقبلة يمكن أن تكون بوابة واسعة لاستعادة قيم ثورة يناير، ويمكنها أيضا أن تسفر عن استمرار القطيعة السياسية معها، وهو اختيار ستحدده مدى رغبة السلطة في تغيير توجهاتها الراهنة وسماحها بمشاركة المعارضين في الداخل والخارج فيها، وقدرة المعارضة على تقديم برامج انتخابية تتواصل مع هموم ملايين الناخبين وتعبر عن مصالحهم، وتدفعهم للمشاركة الفاعلة فيها.