بسماتيك الأول.. تاريخ لم يقهره الدهر فهزمه الجهل

لم يستطع طول الدهر أن يهزم المصريين ويمحو أثرهم، إلا أن المصريين أنفسهم هم الذين تولوا أمر تدمير تاريخهم.

قبل أيام، تم اكتشاف تمثال بسماتيك الأول، في منطقة المطرية، هذا الملك العظيم، الذي بدأ معه عصر جديد في مصر، وأصبحت البلاد في عصره مستقلة تماما بعد أن خلصها نيران حكم الآشوريين والكوشيين، ونهض بالبلاد نهضة كانت مضربا للأمثال في تاريخ مصر..” هكذا جاء وصف الآثاري الدكتور سليم حسن، للملك بسماتيك الأول، وتعد هذا الكلمات أيضا ردا على من يسأل لماذا عُد الملك بسماتيك الأول مؤسس أسرته.

في الوقت الذي اختفت فيه أغلب الأمم التي وجدت في عصر بسماتيك الأول،استطاع هو إعادة الأمور إلى نصابها، فقد كان عبقريا سياسيا واستراتيجيا في آن واحد، حيث حقق الوحدة بين أقاليم مملكته ثم سحق جيوش الإمبراطورية المعتدية الأشورية، وحافظ على استقلال ووحدة مصر،

سيطر الآشوريون على دلتا مصر ثم عينوا نخاو الأول ملكا عليها بشرط أن يكون تابعا لهم، وهنا فصل جنوب مصر الذي يحكمه تانوت أمان خليفة الملك طهارقة تحت نفوذ الآشوريين عن شمالها الذي يحكمه نخاو (والد بسماتيك)، وظن الناس أن نخاو رضي بهذا الأمر لكنه كان حكيما إذ بدأ في إعداد ابنه بسماتيك إعدادا قويا قاسيا ليعيد للبلاد مجدها.

مات الملك نخاو واشتد ساعد الملك بسماتيك وتولى حكم مصر في ريعان شبابه، وهنا بدأت هزائم الآشوريين قبل حربهم، لأن هذا الملك ذكرهم بأمجاد مصر الحربية العظيمة التي سجلت بيد ملوكها الشباب مثل أحمس وتحتمس الثالث ورمسيس الثاني والثالث، فبدأ الآشوريون بمناورات لكشف قدرات الملك الشاب، لكنه كان ذكيا فوحد مصر أولا، ثم عقد اتفاقات سرية مع ملوك الجنوب حيث أصول والدته النوبية وتزوج من نفس الأسرة أسرة جده الملك طهارقه، ثم استفاد أيضا من بلاد الإغريق وعمق معهم الصلات فأمدوه بفرقتين يونانيتين من المقاتلين الإغريق الأقوياء، وكذلك عقد معاهدات سلام وتعاون مع القبائل الليبية الموجودة على حدود مصر.

أعد الملك بسماتيك نفسه وجيشه أفضل إعداد ثم انطلق لحرب الآشوريين فقتل جميع الحاميات والفرق الآشورية المتواجدة في الدلتا، ثم تتبع من فر منهم إلى أن أجلاهم عن مصر والشام وانتهت على يديه أسطورة الإمبراطورية الآشورية.

حكم ابن الأسد الملك بسماتيك الأول 54 عاما أعاد خلالها لمصر هيبتها ومكانتها التي يجب أن تكون عليها بين الدول، واليوم، وعندما تم العثور على تمثاله العظيم، كسرت رقبته، ليقدم المسؤولون دليلا جديدا على عدم فهمهم لما وهبه الله بلادهم من حضارة وتاريخ.