بالفيديو.. الأقباط النازحون من العريش بأسيوط يروون تفاصيل مأساتهم

 

جمعوا ما استطاعوا من متعلقاتهم الشخصية الضرورية في حقيبة سفر صغيرة، وسط حالة من الحزن تنتابهم؛ لما فقدوه من أشخاص ومتعلقات شخصية، وتركهم ذكريات الطفولة ومنازلهم التي أقاموها بالكفاح، وتوديع أحد أصدقائهم الذي قتل فى سوق العريش على يد العناصر التكفيرية.. ذلك هو حال الأقباط النازحين من العريش إلى مدينة أسيوط والبالغ عددهم 23 أسرة.

“البديل” التقت عددًا من الأسر النازحة، منها أسرة الشهيد جمال جرجس صموئيل، والذي استشهد على يد أحد العناصر التكفيرية فى سوق العريش، ونزحت أسرته إلى مسقط رأسها بقرية المطيعة بأسيوط.

لم تكن تعلم نعمة نبيه أندراوس، الفتاة الصغيرة صاحبة الـ 16 عامًا وهي تغادر أسيوط، متجهة إلى العريش، تتغنى وتتراقص بملابس العرس، بصحبة زوجها جمال توفيق، أنها ستعود بعد 25 عامًا من زواجها كالطير المذبوح، فقد عادت بزوجها جثة هامدة، بعد أن قتلته عصابة ولاية سيناء التابعين لتنظيم داعش الإرهابية، وترك في عنقها 6 أبناء، بينهم فتاة متزوجة.

“بيخبطوا على البيوت، ولو لقوا مسيحي بيقلتوه”.. بتلك الجملة بدأت “نعمة نبيه “زوجة الشهيد جمال جرجس حديثها قائلة “دائمًا ما كنت أستمع من جيراني أن هناك 40 قبطيًّا مستهدفين من الجماعات التكفيرية لقتالها، لكن لم أكن أتوقع أن نكون نحن من الأشخاص المستهدفين؛ لأننا بسطاء جدًّا، والجميع يعرفني، ولا أحد لا يعرف أم يوسف”.

روت “نعمة” حادث مقتل زوجها في سوق العريش قائلة “دائمًا يوم الخميس أقوم بتجهيز البضاعه أنا وزوجي في الصباح؛ استعدادًا لتوجهنا إلى سوق الخميس بوسط العريش، وأجلس بالسوق لترتيب البضاعة، ويذهب جمال إلى المخبز ليأتي بالخبز”. هذا هو روتين العائلة البسيطة الذي تؤديه يوم الخميس من كل أسبوع، ولكن يوم المقتل اختلف عن ذي قبل، فقد ترجل أمامهما اثنان ملثمان ومسلحان جاءا مبكرًا للسوق، ليس من أجل البيع أو الشراء، ولكن من أجل قتل جمال.

تقول نعمة إن أحدهما وقف أمام زوجي الجالس على الأرض، وسأله “أنت جمال؟”، فأجاب “نعم يا بيه”، فسارع برفع مسدسه فوق رأس جمال، وأطلق رصاصة أنهت حياته، وازداد المشهد فزعًا ورعبًا داخل السوق، وهرول الجميع، ومن بينهم “نعمة” تاركة زوجها غريقًا في دمائه،  اختبأت بمحل تجاري، وكانت تتابعهما وهما يقلبان جسده على الأجناب؛ حتى يتأكدوا من مقتله، وأخذا كل ما في جيبه، ثم قالا بصوت زلزل السوق “إياكم حد يقرب منه”، بعدها رحلا ببطء كأنهما لم يزهقا حياة إنسان بريء.

قالت نعمة “بعد رحيل الإرهابيين خرجت أصرخ في الشوارع: يا ناس حد ييجي يلحق جوزي، قتلوه بالنار قدامي. الناس خافت تقرب منه من المساءلة والإرهابيين، ذهبت للكمين الذي يبعد عنا 200 متر، أشرح لهم ما حدث، فأجابوا: ما نقدرش نتحرك إلا بأوامر”.

capture4

وتابعت “وصلت سيارة الإسعاف بعد نصف ساعة، ونقلت جثمان جمال للمستشفى والداخلية جات لي المستشفى، وسألونا: من قتلوه؟ وليكم أعداء؟ قلت لهم: لا، واللي قتلوه اثنين ملثمين وقتلوه بمسدس صغير”.

وأضاف يوسف جمال أن الوضع في العريش متأزم حتى قبل مغادرتنا إلى أسيوط، كانت هناك تهديدات لسائقي الميكروباصات بعدم نقل الأقباط إلى خارج العريش، حتى إن هناك أسرًا عديدة تركناها وهي لا تستطيع الخروج، وأشار إلى أزمة أخرى، وهي أنهم لا يستطيعون إنهاء إجراءات معاش والدهم ونقل مدارس إخوتهم الصغار؛ لأن هذا الأمر يستدعي عودتهم إلى العريش.

وبالانتقال إلى أسرة “عماد راضي”، العائد إلى أسيوط، قال “كنت أقيم فى منطقة العريش، وأعمل بائع خضار منذ 25 عامًا وأكثر، ولديَّ هناك منزلي والبهائم الخاصة بي، وبعد عودتي بفتره عاودت الاتصال؛ حتى أتمكن العودة، إلا أن الجميع حذرني من خطورة الموقف، وسأضطر لبيع كافة البهائم عن طريق أحد أصدقائي”، وأكد “أنا رأيت حادث الشهيد جمال، فوجئنا جميعًا بأن اثنين ملثمين قاما بقتله، وبعد ذلك عرفنا أن الوضع في خطر تامـ ولا يتحمل البقاء، وكانت هناك عبارات تطالبنا بالجلاء وترك المدينة، وتركنا كافة أموالنا ومتاعنا ومنازلنا، وعدنا إلى أسيوط”.

capture3

وأضاف رأفت عياد، بائع خضار “تلقينا منشورات بالرحيل، وكتبوا على منازلنا: ارحلوا. وبعد مقتل جمال سادت حالة من القلق، ورغم كوني من أبناء قرية المطيعة، التي تركناها من 16 عامًا، إلا أن العريش أصبحت هي كل حياتنا، وفوجئنا بأشخاص ملثمين ومسلحين يستقلون دراجات بخارية، ويقومون بالبحث عن شخصيات مسيحية؛ مما جعلنا نترك أمتعتنا من الخضار والفواكه، ونفر هاربين”.

كانت محافظة أسيوط استقبلت 23 أسرة قبطية نازحة من العريش؛ جراء أعمال التهديد من العناصر الإرهابية، حيث استقبلت قرية المطيعة التابعة لمطرانية أسيوط 7 أسر مسيحية أخرى، بإجمالي 30 فردًا، واستقبلت مطرانية منفلوط بقرية بني مجد 6 أسر، كما استقبلت مدينة أسيوط أسرة أخرى فقدت أحد أفرادها في الأحداث الأخيرة بالعريش.