انقلاب 11 فبراير (3): إعادة تشكيل السياسة في مصر

أسأل نفسي كثيرا: ما هي المكاسب التي جنيتها الأطراف المتصارعة على معركة الهوية الدينية للدولة؟ الإجابة بعد ست سنوات من اشتعال المعركة تظل كما هي، صفر. لم يحقق الصراع الهوياتي في مصر أي تقدم على المستوى التشريعي والدستوري، ورغم تغيير أطراف المعادلات السياسية وصدور عدة نصوص دستورية، ظلت المادة الثانية على وضعها!
خُدِع الثوار، وخرج الجميع من الميادين ليقيموا الأفراح برحيل الديكتاتور، وحجزت مصر مقعدها في تاريخ الربيع، أحد أصدقائي يشبه هذه الاحتفالات بأفعال صحابة النبي في غزوة أحد، حينما تركوا الميدان وهرولوا للظفر بالغنائم، بينما كان العدو قابعا، يتحين لحظة مناسبة للانقضاض.
كان قيادات الجيش تعلم أن هناك ثمة فوران اجتماعي، وخروج سياسي، وأن السيطرة على مقاليد الحكم بشكل يسير يستلزم عقد المناورات، لكن هنالك الكثير من العقبات، أولها هو التنافس داخل المجلس العسكري، ثانيها هو عدم رضاء المخابرات العامة عن تهميش قائدها وما سيترتب عليه من تهميشها بسبب الصعود المتوقع لرجال المخابرات العسكرية، ثالت هذه العقبات القوى السياسية الطامحة في الحُكم، سواء الإسلاميين أو العلمانيين، أما “فلول” جمال مبارك فهم إلى جواره بمزرعة طرة أو خارج البلاد.
كرس المجلس العسكري انقلابه في بيان 13 فبراير، وأعلن استئثاره بالسلطة التنفيذية والتشريعية لمدة ستة أشهر، كانت جماعة الإخوان المسلمين أول المؤيدين لهذا البيان، فهم لا يستطيعون مقاومة خيالاتهم بتولي السلطة في مصر، أصابهم طيلة هذه الفترة ما يُسمي بـ”العمى الإدراكي”، وأعلن عصام العريان أن هذا البيان يُسرع من كتابة الدستور وانتقال السلطة.
لم يكن موقف الإخوان حينها حدثا عارضا، عمدت القوات المسلحة إلى استقطاب القوى الإسلامية عن طريق وعدها بالسلطة، وتكلل هذا التحالف بالإعلان في 15 فبراير 2011 عن تشكيل لجنة إعداد التعديلات الدستورية، برئاسة المفكر الإسلامي طارق البشري وعضوية صبحي صالح القيادي الإخوان المعروف، وكان الأخير هو الطرف السياسي الوحيد.
تزامن هذا مع خطوات أخرى، فُتحت المساحات الإعلامية أمام قيادات الجماعة، حتى أن جريدة الأهرام بدأت في نشر مقالات للمرشد العام، وأخيرا تمت الموافقة على إنشاء حزب الوسط الإسلامي.
التقط العلمانيون طرف الخيط، ومتأخرا جدا، أرسل حزب الجبهة الديمقراطية خطابا للمجلس العسكري في 19 فبراير يطالب فيه بتشكيل مجلس رئاسي من ثلاثة شخصيات (مدني وقضائي وعسكري)، وكتابة دستور جديد للبلاد، وهنا تم إلقاء الورقة التي سيستخدمها الجيش كثيرا، طالب الخطاب بإلغاء المادة الثانية من دستور 1971.
خرج السلفيون بعدها بساعات يهاجمون العلمانيين ليؤسسوا بذلك لدور سياسي، وكان توسط القيادي السلفي محمد حسان في حل الأزمة الطائفية بأطفيح بمثابة الإعلان عن دخول السلفيين مضمار العمل السياسي بمباركة الجيش. وهنا تحقق للمجلس العسكري ما أراد، تم فض تحالف القوى السياسية قبل يناير تحت وطأة “قدسية” المادة الثانية.
أسس هذا الخلاف لمسألة شديدة الجدة على العملية السياسية في مصر، والغريب أن هذه المادة المقدسة لم يخل منها دستور مصري تقريبا، منذ أن تم وضع دستور الاستقلال في 1923. اتفقت القوى السياسية قبل يناير على رحيل مبارك، وشهدت فترة الاعتصام تنسيقا ميدانيا بينهم على مستوى رفيع، وأخيرا يتم تمهيد الطريق أمام انقسامها حول الكثير من القضايا، هل نكتب الدستور أولا، أم نعقد الانتخابات البرلمانية أولا؟ هل نُعدل دستور 71 أم نكتب دستورا جديدا؟ وهكذا.
في هذا التوقيت، كان شباب الثورة ينظف شوارع القاهرة، إنه لازال يحلم بالقاهرة التي كانت “أجمل من مدن أوروبا”، والجزء المسيس منهم يقع ضحية الاستقطاب السياسي، أما الوجوه الأبرز إعلاميا كانت قد بهرتهم أضواء الكاميرات، ويتحسسون درجات سلم الترقي الاجتماعي، وكانت الفئة الأخيرة هي المحببة لقيادات الدولة كما سنبين لاحقا. وتكفل الجيش بفض تظاهرات الغاضبين.
في ملعب آخر داخل أروقة الدولة، كان يؤرق الجيش الصراع مع بقايا نظام مبارك، ولا نعني هنا السياسيون، بل حكومة أحمد شفيق ورجال جهاز أمن الدولة، كانت الإطاحة بحكومة شفيق مسألة وقت حسبما نص بيان 13 فبراير على استمرارها لحين تشكيل حكومة جديدة. وتصدى الجيش لمحاولات بعض الشباب إعادة إقامة الاعتصام في ميدان التحرير، وشهد 25 فبراير المواجهة الأولى بين الشرطة العسكرية والشباب، والتي خرج بعدها البيان العسكري رقم 22 الشهير بجملة “رصيدنا لديكم يسمح”.
تمت إقالة حكومة شفيق بعد الانتهاء من التعديلات الدستورية للجنة البشري، ولكن هذه المرة بعد عدم مواجهة الجيش لمظاهرة شبابية دعت للإطاحة بالحكومة. ليزف بعدها الجيش خبر تعيين عصام شرف عضو لجنة سياسات الحزب الوطني السابق، بناء على توصية من ائتلاف ثورة 25 يناير.

مع تولي الجيش مقاليد الحكم، أدركت المخابرات الحربية أن ثمة صراعا عليها خوضه مع الأجهزة المعلوماتية الرئيسية في الدولة، كان الأضعف منها بعد يناير هو جهاز أمن الدولة. وبعد ثلاثة أسابيع من رحيل مبارك، تذكر الثوار جهاز أمن الدولة! وفي استنساخ صغير لسيناريو اعتصام التحرير، ظهرت مع مطلع مارس 2011 دعوات على الفيس بوك لاقتحام مباني الجهاز في مختلف أنحاء مصر، وبالفعل في 5 مارس احتشد بضعة آلاف من المتظاهرين أمام مقار الجهاز في القاهرة والإسكندرية ومطروح، وتسنى لهم دخول المقرات في حماية قوات الجيش، الذي أعلن بدوره عن تحفظه على الأوراق التي وجدها المتظاهرون، وسيطرة قواته على بنايات الجهاز. ثم أعقب هذا في اليوم التالي الإعلان عن حل جهاز مباحث أمن الدولة.
اشتدت حدة الاستقطاب السياسي مع قرب موعد الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وفي أوج الخروج الاجتماعي، ومع خروج المصريين بكثافة للتصويت على الاستفتاء، خرج للعلن المشهد السياسي الجديد، جمعت القوى العلمانية والمخابرات العامة أرضية مشتركة حول رفض التعديلات الدستورية، وفي الطرف الأخر اشتدت أواصر التحالف بين الإخوان والسلفيين وقيادات المجلس العسكري. لم يكن استفتاء حول التعديلات الدستورية بقدر ما كان إعلانا عن انقسام القوى السياسية، وكسب الجيش لشرعية دستورية تنهي شبهة الانقلاب تماما.
أُعلنت نتائج الاستفتاء الشعبي بالموافقة على تعديلات لجنة البشري على دستور 71، ولكن حدث شيئا غريباً، قرر المجلس العسكري إصدار إعلان دستوري جديدا، ضاربا عرض الحائط بنتائج الاستفتاء الشعبي!
يتبع.