المونولوج.. انقرض برحيل العظماء

مع التطور التكنولوجي وتوالي الأجيال طبيعي أن كل شيء يتطور ويزدهر، إلا الفن والموسيقى بمصر، التي كل انقلب حالها، فبعد أن كانت مصر تضم كوكبة من الملحنين والشعراء والمطربين، أصبحت الآن منبع موسيقى التكاتك..

نتناول في هذا التقرير أحد الألوان التي كانت علامة في تاريخ الموسيقى العربية.. المونولوج الغنائي..

استوحى المونولوج الغنائي أداءه من الآريا Aria، الذي يعبر عن شعور الشخص ومشاعره العاطفية، ويتميز بتكرار الكلمات ومد الحروف المتحركة؛ لتوصيل المعنى والتأثير الدرامي، وذلك من خلال وقوف المؤدي على خشبة المسرح وإطلاق العنان لعواطفه والبدء في السرد.

والله تستاهل يا قلبي.. البداية مع سيد درويش

ظهر فن المونولوج في مصر عام 1920على يد الموسيقار سيد درويش، في أغنية “والله تستاهل يا قلبي”، من ألحانه وغنائه، وتأليف أمين صدقي، وذلك في مسرحية “راحت عليك”.

والمونولوج مقتبس من الأوبرا الإيطالية، حيث يقف المغني، ويصف شعوره للجمهور، ويسترسل دون تكرار اللحن، أي وجود كوبليه أو جمل لحنية تتكرر بين الحين والآخر، ويشكل عدم تقسيم الأغنية إلى مقاطع صعوبة على الملحن، الذي يتوجب عليه وضع لحن متماسك. وبمجرد ظهور هذا الفن حقق نجاحًا مذهلًا، وانتشر بشكل كبير.

كما انتشر نوع آخر من المونولوج، وهو الفكاهي، الذي اشتهر به محمود شكوكو وإسماعيل ياسن وثريا حلمي، ويطلق على مطرب المونولوج «مونولوجست».

المونولوجات بصوت كوكب الشرق

تعد السيدة أم كلثوم من أشهر المطربين الذين تغنوا بهذا اللون، حيث غنت عام 1928 مونولوج “إن كنت أسامح وأنسى الأسية”، كلمات أحمد رامي، وتلحين محمد القصبجي، وحقق وقتها نجاحًا كبيرًا.

https://www.youtube.com/watch?v=Yd9KBGkOCaM

ومن أشهر مونولوجاتها “رق الحبيب” كلمات أحمد رامي، وألحان محمد القصبجي:

رق الحبيب وواعدني يوم

وكان له مدة غايب عني

حَرَمت عيني الليل من النوم

لاجل النهار ما يطمّني

صُعُب عليّ أنام

أحسن أشوف فى المنام

غير اللي يتمناه قلبي

سِهِرت أستنّاه

ويسمى “مونولوج مطلق”، حيث لا يتكرر فيه أي لحن، فهو يبدأ من نقطة، وينتهي في نقطة أخرى.

ومع القصبجي قدمت أم كلثوم مونولوجات كثيرة، منها “أيها الفلك على وشك الرحيل”، و”فين العيون اللي سابتني وشفت فيها نور الأماني”، و”يا اللي رعيت العهود”، وشجع نجاح هذا الفن كثيرًا من الملحنين، من بينهم محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي، وكان آخر مونولوج غنته أم كلثوم “النوم يداعب جفوني”، عام 1938، لحن رياض السنباطي

نقلة نوعية فى تاريخ الغناء

في عام 1941 غنت أسمهان مونولوج “يا طيور” لحن القصبجي، وكان نقلة في تاريخ الغناء العربي، حيث استطاع القصبجي الدمج بين المقامات العربية والتوزيع الهارموني، حيث نجد اللحن ترجمة للكلمات، فضلاً عن حركة الطيور التي ظهرت عبر الموسيقى والتوزيع، وكانت هذه أول مرة في تاريخ الغناء العربي تأخذ فيه الموسيقى دور بطولة في العمل الفني، حيث قال فيكتور سحاب في كتابه السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة “أغنية يا طيور التي تحس في مقدمتها أنها مكتوبة بطابع سيمفوني، لا ينتابك – لحظة – أي شك في طابعها العربي، ومزاجها القومي الواضح”.

انتشار المونولوج الغنائي

ازدهر هذا الفن، وأصبحت له قاعدة جماهيرية كبيرة، مما دفع الملحنين إلى الإقبال عليه.

وشكل الشاعر أحمد رامي والموسيقار محمد القصبجي ثنائيًا رائعًا، واستمرا فى تقديم المونولوجات لعدة سنوات، كما برع أحمد صبري النجريدي في تلحين مونولوجات لأم كلثوم، ومنها “والله ما حدش جني عام، يا ستي ليه المكايدة، يا كروان والنبي سلم، خايف يكون حبك ليا شفقة عليا”.

اختفاء المونولوج الغنائي

أخذ هذا الفن يختفي شيئًا فشيئًا مع ظهور المونولوج الفكاهي، الذي حقق نجاحًا كبيرًا، ومع انحساره غنت كوكب الشرق المونولوج الفكاهي في الأربعينيات، وابتعد الملحنون الجدد عن المونولوج الغنائي لصعوبته، بعد أن توقف رواد هذا الفن عن تقديمه، ومع توالي الأجيال بدأ الغناء ينحدر، حتى وصل إلى الأغنية الحديثة والسريعة التي لا يحمل الكثير منها رسالة واضحة وهادفة ولا حتى موهبة فنية، سواء في التأليف أو التلحين، لينحدر مستوى الفن والموسيقى بمصر برحيل هذا الجيل العبقري.