الكآبة فن.. “مش هز أكتاف”!

لن أدعوك إلى التفاؤل، بل أناشدك أن تكون شاردا وعابسا، أقصى أمانيك أن تبلغ حافة النهاية سريعا.. “إنه اليأس يا عزيزي أيبك”.

إن فشلت في حلمك سينصحونك بأن تعاود الكرة، وإن أخفقت من جديد، ستسمع الأصوات نفسها تحثك على المقاومة والنهوض، ولو تعثرت وتدحرجت وتكورت، أجبني بعدها أرجوك: لأي مدى ستظل ممسكا بحلمك واثقاً في نفسك؟

لا فرق عندي إن كرهتني أو تجاهلتني أو حتى صببت لعناتك في وجهي، فأنت تقرأ كلمات لكاتب أحمق وعدمي.. “بلغ من اليأس عتيا”.

ملحوظة: حديثي ليس موجها لمن يعيش خارج الحدود الجغرافية لجمهورية مصر العربية، لذا أرجو من السادة المقيمين خارجها مراعاة نفسية المقيمين داخل حدود ما أطلقوا عليها كذبا وضلالا بـ”أد الدنيا”.

والآن، ما رأيك لو نظرت إلى الحياة بعيون غيرك، ماذا ستخسر؟ قليل من الوقت مع كثير من المغامرة.. فهلا جربت؟

عندما يتجمد الواقع عند درجة حرارة تحت الصفر، تفقد الكلمات جدواها ويفقد الكاتب إيمانه بقناعاته، فلا يجد أمامه سبيلاً إلا السخرية وجلد ذاته بالكلمات، هو نوع من العقاب على مجتمع لا يُبصر أن “الكلمة إيد الكلمة رجل الكلمة باب.. الكلمة نجمة كهربية في الضباب”.

عندما تحيا في دولة يقول رأس النظام فيها إن الحق في الحياة بكرامة وحرية “ترفا لا نستحقه الآن”، فلا تغضب أو تقدم على فعل أحمق كقطع شرايين يديك، بل انعزل داخل قوقعتك والتمس لـ”طبيب الفلاسفة” ألف عذر، والتزم حرفيا بمقولة: “ماذا يفيد الإنسان لو ربح العالم كله، وخسر شرايينه”.

عندما تطاردك المخاوف من الاعتقال والتنكيل لمجرد أنك تكتب ما تراه صدقا وحقا، فأمامك طريقان: إيثار السلامة والتوقف في التو واللحظة عن هذا النزق، أو الاستمرار فيه إلى أن ينتهي بك الحال خلف قضبان زنزانة معتمة وعلى لسانك عبارة واحدة: “برئ والله يا بيه”.

عندما يتقلد المتزلفون والمضللون أوسمة الشرف وأنواط الامتياز، فلا تقل “أُف ولا تنهرهم”، بل اترك لهم لساحة وانزوي وحيدا في غرفة بلا منافذ حتى لا يسمع أحد بكاءك، أو كن مقلدا لهم وعلى شاكلتهم، ويا حبذا لو صرخت وقتها بصوت عال مرددا على طريقة هند صبري: “أنا كمان عاوزة وسام يا إبراهيم”.

عندما يغدو النفاق أول درجة في سلم الصعود إلى القمة، والحقيقة منحدرا للهبوط إلى القاع، فهل ترتقي السلم أم تهبط لأسفل؟ تصعد أم تنزلق؟ كيف ستتصرف؟ هل تريدني أن أدلك على إجابة لن تضل من بعدها أبدا؟ الإجابة بإيجاز هي: “مش عارف والله.. اتصرف انت بقي”.

عندما يُختزل الدين في “جلباب ولحية وحجاب”، ويصبح العلم والجدال والاختلاف هو “آية الكافر”، فهل تقبل بأن تكون مقلدا أم تغامر بتنقيح التراث وتجديده، واعلم أنك في الحالة الأخيرة.. “هتلبس قضية ازدراء أديان فهمي نظمي رسمي”.

عندما تضيق عليك المساحات وتشعر بضيق شديد في صدرك وعقلك وبلدك، يصبح الفرار إلى خارج الإقليم منجاة من الجنون، ولكن جاوبني قبلها: “معاك فيزا شينجن يا معلم؟”.

عندما يتحول الجيش الوطني إلى…….. “عندك.. انت عبيط بقى ولا إيه”!

قديما كانوا يقولون إن الكلمة سلاح والحبر ذخيرة، ولكن تبدلت الأحوال فأصبحت الكلمة مضيعة للوقت والجهد، ولا سلاح إلا سلاح البلطجة وقذف الأعراض بالباطل، وبات شعار المرحلة: “مطوتك في جيبك واللي يقولك تعالى نتناقش بهدوء.. قطعه”.

كنت أتمنى أن تكون كلماتي حافزا لبلوغ الأحلام، لكنني للأسف لا أملك بعد هذه الجرعة المكثفة من الكآبة والسوداوية إلا أن أضع أمامك حقيقة مصرية خالصة هي: وما نيل الأحلام بالتمني، لكن تؤخذ الدنيا بـ”التطبيل يا بكري”!