الفلسفة والإرهاب ..حتمية المواجهة(4)

لا نعني بحتمية المواجهة بين الفلسفة والإرهاب أن الفلسفة – أي فلسفة- هي نقيض للإرهاب؛ فالحقيقة أن النظم الشمولية الغربية كالنازية والفاشية وغيرها، قد تأسست على فلسفات معاصرة كالهيجيلية والنتشوية؛ لذلك فليس من المستغرب أن نقول أن الإرهاب – في معظمه – هو تطبيق لمبدأ فلسفي مطلق على نحو ما.. والأمر هنا يحتاج إلى إيضاح لازم حتى لا نقع في نهاية الأمر في فخ انحياز تأباه روح التفلسف الحق، ومن يتوهم أن الفلسفة مبرأة عن الدوجمائية ومن ثم فإنها تصلح كطوق نجاة في لجة هذا الواقع المصطخب؛ فعليه أن يراجع أفكاره؛ ذلك لأن كثيرا من الفلسفات التي قاومت المطلقات وظلت تناوئ الأصوليات ما لبثت أن انكفأت مخلفة مطلقا هادما لقيم التعايش والقبول والتعدد.
إن ما نرمي إليه من بعث روح التفلسف إنما نقصد به إحياء المنهج الفلسفي الذي يعتمد العقل أداة عليا للحكم، تمحيصا للرؤى وتحجيما للمسلَّم به، تأسيسا على التفكير الناقد للواقع استشرافا لمسارات المستقبل، وتقليصا لمساحات المجهول والمفاجئ به.
ويرى الدكتور مراد وهبة في الدرس الفلسفي أداة فاعلة في اجتثاث النزوع نحو الإرهاب من العقول الواهمة؛ لأن الإرهاب كفعل تدميري لا يصدر إلا عن مطلق معين صار مهيمنا على الإرادة الإنسانية ومحركا لها، وإذا كانت هناك قيمة ثابتة يجب أن نؤكد عليها دائما في الدرس الفلسفي؛ فهي – حسب رأيه- أن البشر غير صالحين ولا مؤهلين لامتلاك الحقيقة المطلقة.
الإرهاب صنيعة اليأس ومحض افتئات على الله
من هذا المنطلق نؤكد على أن روح التفلسف القائمة على التساؤل والتشكك وإعادة النظر فيما استقر بهدف التنقيح والوصول لدرجة أكبر من المواءمة- هي أقرب للطبيعة الإنسانية من الاستسلام الكامل لحقائق قطعية هي – في معظمها- في واقع الأمر ليست كذلك.. وليس أدل على ذلك من الممارسات الإرهابية ذاتها التي تنفي حق الآخر في الوجود حكما على ما يعتقد؛ وليس على ما يصدر عنه من أفعال، وهو ما يعني منازعة واضحة فيما هو حق أصيل لله وحده.
يميل “دريدا” إلى القول بأن الدقة المتناهية في تنفيذ بعض العمليات الإرهابية بسبب اعتماد تقنيات متطورة هو ما يجعل الرعب يستقر في اللاوعي كمهيّئ ومتقبل-على نحو ما- لأفعال متدرجة تصل في ذروتها إلى ما نسميه بالإرهاب تجاوزا؛ لأنه – في حقيقته- ذو “مفهوم جديد يصعب تمييزه بصورة دقيقة” كما يحذر “دريدا” من عدم الانتباه أو التغافل المتعمد حيال التداخل، والخلط عن قصد بين الإرهاب والحروب الاعتيادية وحروب التحرير والاقتتال الأهلي وبشكل عام بين العدوان والحرب العادلة؛ لأن ذلك مما يمنح الإرهاب أفضلية تمكنه من أن” يجوب الأرض بالطول والعرض ويعشش فوق المسطح بلا مركز وينتشر في الفضاء”.
وإذا كنا نبحث عن أسباب أخرى للظاهرة فإننا لا يمكن أن نتعامى عن دور اليأس الذي يستولي على الأرواح كلما أوغلت القوى الدولية في وصم كل عمل معاد لمصالحها والحيلولة دون إضفاء أي شرعية عليه، هذا الوصم من شأنه دفع كثير من الأفراد والجماعات بعيدا جدا عن المجتمعات التي تحكمها شروط شديدة الإجحاف، ولا ترقى إلى الحد الأدنى من المعقولية.
الفلسفة والبناء السياسي ودواعي الارتباط والتنافر
وإذا كان الإرهاب يستقطب في تنظيماته أفرادا من مختلف الشرائح الاجتماعية إلا ان المهمشين ومن يعانون من قسوة الظروف الاجتماعية- هم عدته الاساسية ورصيده الهائل، وفي ظل تحكم المؤسسات المالية العالمية، وما تفرضه من نظم غير عادلة على الشعوب عبر أنظمة لا تتمتع باستقلالية حقيقية؛ فإن هؤلاء المهمشين ستتضاعف أعدادهم، مع تحول غالبيتهم من حالة التهميش إلى النبذ وهو ما سيفاقم الأمور بشكل تصعب مواجهته.
يلمح الدكتور محمد المصباحي أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس إلى أنّ الفلسفة والبناء السياسي مرتبطان على نحو عميق، والحاجة متبادلة بين السياسة والفلسفة، بمعنى أن النظام السياسي الذي يتأسس على معاداة الفلسفة – حسب المفهوم الذي أوضحناه سلفا- لا يكون مؤهلا للاستمرار وفق شروط طبيعية لأنه لا يتصل مع الجماهير بوشيجة صالحة؛ لذلك فهو يقوم على البطش، ومهما توهّم أنه يمتلك أسباب القوة إلا أن سقوطه المحتم يبقى قيد الإرجاء تبعا لعوامل داخلية وخارجية.
نحن بوصفنا عربا أو مسلمين أو شرقيين معنيون بأن يكون لنا دور في مواجهة الإرهاب من خلال رؤى فلسفية ناجعة، وعلينا أن نلتمس كل ما يؤهلنا للقيام بهذا الدور؛ ليس لأنه سبيل خلاصنا من وضعية المتهم وما يترتب عليها فحسب، بل بوصفنا أكثر استعدادا من غيرنا لمد يد العون للإنسانية لتخلص من هذا الداء وكل أسبابه ومسبباته؛ لقد تطلع العالم -وخاصة القارة العجوز- إلى هذه البقعة من العالم منذ القدم كمنبع للحكمة، ومصدر للنور، ولا يمكن لأحد أن ينكر إسهامنا الفكر والحضاري، وآثاره الكبيرة والممتدة منذ قرون.. هذا الإلهام المتجدد مازال منتظرا.. مازال وعده قائما لم يخلف، وما زال دَيْن الإنسانية في أعناقنا مستحقا، نعم لقد استطاع الغرب أن يصل إلى أقصى درجات التقدم التكنولوجي بحيث لم يعد في وسعنا منافسته، أو حتى التفكير في ذلك، لكن الغرب قد فقد- بحسب مفكرين أوروبيين- مصادر إلهامه، وتحولت حالة الرخاء والاستقرار إلى ما يشبه الموات، لذلك فهو رغم تقدمه وامتلاكه إمكانات بلا حصر إلا أنه يشيخ ويذوي، وليس في مقدوره حيال ذلك إلى ان يسارع الخطى نحو المزيد من السياسات الإمبريالية المفاقمة للغضب.. نحن حيال ذلك معنيون بطرح رؤى فكرية وفلسفية تبث في الغرب وفي العالم بأسره حرارة مستلهمة من واقع لا يعرف الركود يضطرب بالأحداث، وتراث ثري لم يستفد منه إلى الآن على نحو جاد، وأرواح صنعتها المعاناة في أصعب الظروف اعتادت التحديات المريرة فهي لا ترهب مواجهاتها، ولا ترى فيها مخاطرة تخشى عواقبها.. هذا هو دورنا الذي لن نعيه ما دمنا غافلين عن ذواتنا وما يمكن أن نحققه إذا أدركنا أهمية ذلك الآن وليس فيما بعد.