الفلسفة والإرهاب.. حتمية المواجهة (2)

لعلنا تساءلنا من قبل عن الحذر الشديد الذي يراعيه الكثيرون عند تعاملهم مع الإرهاب على صعيد المفهوم والتعريف، هذا الحذر الذي يدفع نحو الإخلال بالشروط الواجبة لمواجهة الظاهرة على نحو جاد، إن ذلك الإخلال يفرض نوعا من التبسيط يخدم النهج البرجماتي الذي يسمح للظاهرة بالانتشار والتعاظم، والذي يعمل جاهدا على إجهاض أي محاولة من شأنها مواجهة تلك التعقيدات بالنظر المعمق بقصد تفكيكها؛ ولا شك أن مسئولية الغرب عن ذلك كبيرة إذ أن كثيرا من الأفكار المؤسسة للإرهاب هي نتاج تشوه حدث بفعل تغول المؤسسات عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ خشية تكرار تلك الكارثة التي صنعها الغرب وكبدت البشرية عشرات الملايين من الضحايا.

1086a6c60de692c444aed31ffc584188

الفيلسوفة الألمانية “هانّا أرندت”

تؤكد “هانا أرندت” أن القوانين البشرية التي أنتجتها تلك المؤسسات كانت بحاجة ماسة إلى مراجعات فلسفية لكشف مكامن الضعف فيها، وبسبب عدم تحقق ذلك على نحو كاف ابتعدت هذه القوانين عما يجب أن تلتزمه من العدالة والإنسانية؛ حتى صارت شكلا من أشكال التسلط على الآخر وأداة لهضم الحقوق، وسيفا مسلطا على رقاب الشعوب المقهورة.

إن الرضوخ الكامل للقوانين والمؤسسات لم يكن في صالح أحد؛ لأنها وإن بدت حامية للمجتمعات من الناحية الشكلية إلا أنها في الحقيقة قد أسلمت أفراد هذه المجتمعات إما لحالة من الضياع أهلتهم لتلمس سبل الخلاص بكل وسيلة، فوجد البعض ضالته في أشد الافكار جنونا وتطرفا، وهذا ما يبرر التحاق كثير من الأوربيين بالتنظيمات الإرهابية، وإما الخضوع الذي وصفته” أرندت” بأنه الرعب الحقيقي الذي جوهره” ليس قتل المخالف بقدر ما هو الغاء واستئصال الاختلاف عند الناس، وبالتحديد إلغاء فرديتهم وقدرتهم على العمل المستقل ذاتيا”.

تلك النظرة المتعالية القائمة على أساس التفوق التي تحرك من منطلقها الغرب مبررا استعباد الشعوب ونهب ثرواتها وإبقائها في حالة من التخلف تحت سطوة أنظمة تابعة تمارس أسوأ أنواع الحكم على الإطلاق، ألم يكن استثمارها الأكبر في طمس هوية تلك الشعوب، وتنميطها وفق الثقافة الغربية الاستهلاكية مما أدى إلى كثير من التأزمات كان من أهمها الاعتصام بالماضي في مواجهة طوفان المدنية العوراء التي لا تأتي إلا بكل ما هو مسيء ومثير للشك، أما المنجز الحقيقي للحضارة الغربية، فإما أن يحجب أو لا يصل منه إلا ما يدفع نحو مزيد من الاغتراب والإغراق في الفردية.

habermas

الفيلسوف الألماني “هابر ماس”

في هذا الصدد علينا أن نتذكر كيف توهم الغرب أنه خلق مجتمع التنوير القادر على تخليص الإنسان من جهله وبدائيته التي فرضها على نفسه بسبب استعمال فهمه الخاص دون هداية الآخرين، كما يقول” كانط” الذي ما لبث أن تراجع عن ذلك حتى أن مسمى مجتمع التنوير صار لديه مفتقرا إلى الدقة، وذهب إلى أنه مجتمع يوجد به تنوير، ويذهب “هابرماس” إلى أن مشروع التنوير الأوربي قد انتهى إلى فشل ذريع كان من شأنه أن يتراجع الموقف النقدي الأوروبي نحو التاريخ مما فتح المجال واسعا لما أسماه بالبربرية السياسية لتصول وتجول في العالم بأسره مخلفة المزيد من بؤر الصراع الناجم عن التهالك على المصالح.

لكن ارتباط الحداثة الغربية بالعرف الفلسفي وما بقي من مفهوم التنوير هو ما أسس للديمقراطية الأوروبية التي تبنت فصل السياسة عن الإيمان الديني بعد ما جره هذا التداخل مع سيطرة الكنيسة، واستخدامها في كثير من الأوقات كأداة قهر، من هنا يؤكد” هابرماس” مسئولية الفلسفة عن القيام بالوظيفة التشخيصية” لعلل المجتمع الحديث وللخطاب الفكري الذي يؤكد تمردهما ويبرر أهدافهما وبواعثهما” بل إنه يتجاوز ذلك إلى التوجيه نحو الحل الممكن.. وهو دور متى نُحّيت عنه الفلسفة صار المجتمع نفسه أداة للسياسة اللا أخلاقية.

666934_3_9e8f_jacques-derrida-1930-2004-portrait-non_d3845f7998d3e44189408357d6636dd3

الفيلسوف الفرنسي ” جاك دريدا”

يتناول الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا” تلك العلاقة بين السياسة والأخلاق بوصفها مسئولية تجاه التمايز والاختلاف المسكوت عنه والمستبعد إذا لم يتم تناوله بالوصف، وارتباط ذلك بتحقيق بغية التنوير في كونية الإنسان وعدم وقوعه في أسر دوائر انتمائه الضيقة.. ومما يعترض عليه “دريدا” بشأن ما يجب اتباعه لحفظ هذا الاختلاف الضروري هو مفهوم التسامح الذي يراه كفكرة حاملة “للأثر المتبقي من الإيماءة السلطوية والذي يكون فيه الآخر ليس مقبولا كطرف مكافئ بل تابع، وربما ذائب في المجتمع ومندمج فيه” وهو بذلك يشير إلى أن التسامح يمثل تلك الحالة من التحمل التي إذا ما انتهت أصبح كل شيء قيد الانهيار، ويفضل “دريدا” العودة لمصطلح الضيافة الذي كان ” كانط” أول من أكد عليه بوصفه لا يستلزم المعرفة المسبقة، ولا يقف عند حدود، كما يؤكد على أن الحداثة إنما هي تغير في موقف الاعتقاد، وليست مجموعة من العقائد، وهذا ما يميزها عن الأصولية التي ينصب اهتمامها على صورية الاعتقاد وكيفيته؛ لذلك يرى ” كانط” عدم ارتباط الأصولية بدين بعينه لأنها تتمثل في ردود الفعل العنيفة ضد الطريقة الحديثة لفهم الدين وممارسته، كما أنها ليست عودة إلى التدين وفق رؤى الماضي بقدر ما هي ” استجابة مرعبة تجاه الحداثة ينظر إليها كتهديد أكثر من كونها احتمال للتهديد”.

لكن الحداثة الأوروبية لم تكن أبدا هي البديل لأنها مثلت في كثير من ممارساتها اقتلاعا عنيفا لطرق الحياة التقليدية بحسب “هابرماس” لكنها كانت أقرب إلى الرفق، ولو أن اكتشاف ذلك جاء متأخرا بعد اجتياح رياح العولمة للعالم بهدف تقسيمه إلى” رابح ومستفيد وخاسر”. وفق شروط شديدة الإجحاف أنتجت عنفا في المجتمعات الغربية مرده غياب العدالة الاجتماعية ، والتمييز والتهميش لفئات بعينها، أما في مجتمعاتنا العربية فقد كانت تلك البواعث كفيلة بظهور التنظيمات الإرهابية وثيقة الصلة بالمؤسسات الغربية المشار إليها آنفا، ولكنها ووفق بعض المتغيرات سبحت خارج المجال المعلوم مخلفة دوامات من التساؤلات حول كيفية إدارة العالم على هذا النحو من المخاطرة المتجددة.