الشباب وفقدان الأمل

منذ ستة أعوام، أظن بعد الثورة بشهر أو شهرين، ذهبت إلى العتبة لشراء بعض المستلزمات الكهربائية من هناك، ركنت السيارة في الطابق الأخير من جراج العتبة متعدد الطوابق، هذا المبنى القبيح المجاور لمسرح العرائس وسور الأزبكية، استخدمت المصعد في النزول، وجدت شابا عشرينيا يعمل بالمصعد، نحيفا أسمر البشرة، يرتدي معطفا باليا من الصوف، الجميل في هذا الشاب أنه كان مبتسما وودودا جدا مع الناس، يحاول أن يصنع من الوقت الطويل الذي يقضيه في مهنته البائسة المملة، وقتا سعيدا.
وجدته يضع عدة سماعات بالمصعد ويشغل أغاني شعبية راقصة من جهاز كاسيت صيني صغير، ويعلق نباتات زينة لولبية مصنوعة من البلاستيك حول مرآة المصعد، ذوقها متواضع حقا ولكنها كانت مبهجة الألوان، ويلصق بعض الأحاديث القدسية والأدعية الدينية على جدران المصعد الرمادية الكالحة، ويتجاذب أطراف الحديث مع مستخدمي المصعد في الثوانى القليلة التى يصعدون وينزلون فيها، ووجدته يعرف بعض الأشخاص بأسمائهم، غالبا أصحاب المحال الموجودة فى المنطقة، شعرت بالرثاء والشفقة نحو هذا الشاب، فكيف يقضي إنسان في مقتبل العمر حوالى ثمان ساعات يوميا داخل صندوق ضيق من الحديد لا تتجاوز مساحته متر في متر، ويحصل في مقابل تلك المشقة على مرتب هزيل، أظنه لايزيد على سبعمائة جنيه في الشهر، لن يكفى احتياجاته بالتأكيد.
وحدث أن تعرفت عليه في ظهيرة أحد الأيام، أو هو الذي تعرف عليّ بأسلوبه اللطيف في التحدث مع الغرباء، وعلمت منه أنه يعمل بالجراج منذ ثمانية أشهر وسيتزوج قريبا، وأنه في مرحلة تشطيب شقته الصغيرة بالدويقة، وفي المساء، عندما عدت للجراج بعد جولة بالمنطقة استغرقت عدة ساعات، وجدته لا يزال موجودا، فسألته في دهشة: هل تقضي اليوم بأكمله في الشغل؟ ،فقال: بالتأكيد تظنني أخي الذي يعمل صباحا، واكتشفت أنهما أخوان توأم، يتبادلان العمل على المصعد، أحدهما يعمل بوردية الصباح والثاني يعمل بوردية المساء.
ومضت السنين، وفي أحد الأيام من العام الماضي، اضطررت أن أركن السيارة فى جراج العتبة لشراء شيء من الرويعي، وجدت أن المصعد أصبح يستخدم للصعود فقط، نزلت على السلالم المتربة القذرة واشتريت أغراضي وعدت للجراج، وقبل أن اقترب من المصعد سألت نفسى: هل يمكن أن يكون، هذا الشاب الذي قابلته منذ عدة سنوات، ما يزال يعمل في المصعد؟ ضغطت على زر المصعد وانتظرت هبوطه، ثم فتح الباب، ووجدت الشاب موجودا بالفعل داخل المصعد، شكله لم يتغير، لكني وجدته جالس في صمت على مقعد معدني متهالك بجوار لوحة أزرار المصعد، وقد فقد ابتسامته اللطيفة التي كانت لا تفارق وجهه، يضغط على الأزرار بزهق ودون اكتراث، وتأملت زينة المصعد فوجدتها قد تقلصت وفقدت بريقها أيضا، ولم أجد جهاز الكاسيت الصيني الذى كان يديره، لم أذكره بنفسي ولا أظن أنه تذكرني، ومضت الثواني بيننا داخل المصعد بطيئة، دون كلام، وصلت إلى الطابق الذي ركنت فيه سيارتي، وقبل أن أغادر المصعد التفت إليه لتحيته، فوجدته شارد الذهن كما لو كان في عالم آخر، لم أشاء أن أزعجه، تركته وخرجت وانغلق باب المصعد خلفي ببطء ومضيت في طريقي إلى السيارة، بعد أن شعرت أن بداخل هذا الشاب شيئا قد مات.
أظن أن حال هذا الشاب البائس يشبه حال الكثير من الشباب في مصراليوم، فهناك حالة من فقدان الأمل تسود قطاعات كبيرة من الشباب بعد مرور ستة أعوام على ثورة الخامس والعشرين من يناير، تلك الثورة العظيمة التي أبهرت العالم أجمع.
تبدأ القصة منذ زمن بعيد، قبل الثورة بسنوات طويلة، عندما تم تهميش وإلغاء دور الشباب في المجتمع في كل شىء، فاعتاد الشباب على العيش بدور ثانوي وغير فعال، وكأن المستقبل ليس ملكه، ولا يحق له رسمه أو على الأقل المشاركة في صنعه، فالقرارات التي تخص مستقبله ليست بيده، وإنما بيد الآخرين، وجميع حقوقه صارت ضائعة أو مسلوبة منه بسبب تفشي الفساد في كل أرجاء المجتمع، وانتشار المحسوبية والرشاوي في كل مؤسسات الدولة، دون رقيب أو حسيب، بل كانت تتم تحت سمع وبصر النظام، والذي جعل من الدولة مجموعة من الإقطاعيات، ولكل شخص ذو نفوذ أو يشغل منصبا مهما في الدولة إقطاعيته الخاصة، يتحكم فيها كما يشاء، طالما إنه من محاسيب النظام، يمتثل بأوامره، ويغض بصره عن تجاوزاته، ويقدم فروض الولاء والطاعة لرأس النظام، وكانت النتيجة أن تحول الشباب إلى أرقاء في تلك الإقطاعيات، وفقدوا الأمل في حياة كريمة، وانحصر كل طموحهم في السفر إلى الخليج أو الهجرة إلى دول الشمال، والنجاح في تأسيس حياة جديدة في مكان آخر يشرق فيه الأمل.
لكن في لحظة تاريخية نادرة، قرر بعض الشباب تحمل المسؤولية وأخذ أمر التغيير على عاتقه، فانتفض هؤلاء الشباب في الخامس والعشرين من يناير، وثاروا ضد الاستبداد والفساد، وضد أصحاب النفوذ والإقطاعيات الذين أفسدوا المجتمع بأكمله، أملا في التغيير للأفضل، وأملا في استعادة الحرية والكرامة، وأملا في أن تسود العدالة والمساواة بين الجميع، وقد كان ونجحت ثورة هؤلاء الشباب في إسقاط النظام المستبد الفاسد الذي كان جاثما على أنفاس الشعب لثلاثين عاما، وعاد إلى الشباب الأمل المنشود في حياة أفضل، أكثر عدلا، وأكثر تقدما.
لكن بمرور الوقت، وشيئا فشيئا، بدأ الحلم الجميل يتلاشى ويصبح سرابا، والأمل النبيل في التغيير ينطفئ ويتحول إلى إحباط، واليأس يعم ويملأ قلوب الشباب من جديد، ونجح النظام القديم في إجهاض الثورة وكسر إرادة الشباب وحماسه إلى التغيير، فلم يحدث التغيير ولا تحققت العدالة ولا عادت الكرامة، بل عاد النظام السابق، في ثوب وشكل وشعارات جديدة، وعاد الوضع لما كان عليه قبل الثورة، بل عاد لأسوأ مما كان عليه، فأصبحت الحريات مكبلة، والأفواه مكممة، وعاد الفساد ينتشر في كل أركان ومؤسسات الدولة، وبعد الأمل في التغيير، عادت حالة فقدان الأمل، وعاد الشباب لنقطة الصفر من جديد، وأصبحت مشاكله أكبر وأكثر تعقيدا، وأصبحت فرصة لإثبات نفسه معدومة، وأصبح طريق الإصلاح منحدرا وضيقا، لا أحد يريد عبوره مجددا.
يبقى السؤال الصعب: هل تستمر تلك الحالة من فقدان الأمل لدى الشباب المصري، أم سيعود إليه الأمل ويسترجع حلمه ويستعيد ثورته من جديد؟ هل الثورة لا تزال ممكنة، أم ذهبت في مهب الريح؟