الرئيس.. والطبخة المسمومة

في وقت ننشغل فيه كمصريين ـ رئيسًا وحكومة وشعبًا ـ بأزماتنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتفاقمة، وحيرتنا ما بين كوننا دولة لها هيبة، كما قال الرئيس السيسى منذ عدة أيام، أم شبه دولة تواجه شبح الإفلاس، كما قال منذ عدة أسابيع، ألقى أفيجدر ليبرمان، وزير الدفاع الإسرائيلي، بقنبلة سياسية في وجوهنا، في تصريحاته يوم الثلاثاء الماضي لصحيفة «دي فيلت» الألمانية التي قال فيها إن الوقت قد حان لتشكيل تحالف خليجي ـ إسرائيلي بشكل علني، على غرار حلف الناتو؛ لمواجهة الخطر الإيراني، بعد أن أدركت هذه الدول العربية ـ بحسب نص كلامه ـ أن طهران هي الخطر الأكبر الذي يواجهها، وليس إسرائيل أو الصهيونية أو اليهود!

تصريحات ليبرمان الكارثية التي مرت علينا في القاهرة مرور الكرام، دون أن نشعر بخطورتها، أو يعطيها مسؤولونا أدنى اهتمام، سبقتها تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مؤتمره الصحفي مع بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، أشار فيها إلى أن هناك مشروعًا سياسيًّا ضخمًا لحل النزاع العربي الإسرائيلي؛ ليتفرغ الجميع لمواجهة أخطار إيران، والذي تزامن مع تسريب صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية لخبر اللقاء السري الذي حضره الرئيس السيسي وملك الأردن ورئيس وزراء إسرائيل ووزير الخارجية الأمريكي، في ميناء العقبة الأردني العام الماضي، بما يشير إلى أن هناك تحركات تجرى في الكواليس لإعداد طبخة سياسية جديدة للمنطقة، ليتم نسف كل ثوابتها القديمة، أو بالأحرى إلقاؤها في سلة المهملات!

هذه الطبخة المسمومة تثير العديد من الملاحظات والتساؤلات التي تتعلق بموقعنا كمصريين في هذه الاستراتيجيات الجديدة التي تعد للمنطقة، منها ما يتعلق بسقوط نظرية «مسافة السكة» التي طرحها السيسي لبناء نظام أمني بين مصر ودول الخليج، وهو ما يقدم لإسرائيل كل المبررات لاستمرار الاستيطان وتهويد القدس وطمس القضية الفلسطينية، وفتح أبواب التجارة مع الدول العربية، لتكون قائدة الإقليم كله خلال السنوات القليلة المقبلة، مقابل توفير الحماية للدول العربية من الأخطار الإيرانية المزعومة، أو على الأقل، المبالغ فيها!

هناك أيضًا تساؤلات تتعلق بالرغبات الأمريكية في اقتصار دور مصر على توفير قوات عسكرية لحروب ترامب ضد الإرهاب والدول الداعمة له، ورغبات أوروبية أوضحتها زيارة المستشار الألمانية إنجيلا ميركل منذ يومين للقاهرة، بأن تهتم مصر فقط بمعالجة قضية الهجرة غير الشرعية والملف الليبي، الذي يمثل البوابة الأكبر لهذه الهجرات الإفريقية إلى أوروبا، وإن توفر لها بعد الوقت بعد ذلك فعليها معالجة ملف الحريات وحقوق الأقباط.

هناك أيضًا ما يتعلق بإصرار نظام الرئيس السيسي على تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، رغم أن ذلك ينزع من مصر ورقة استراتيجة مهمة للسيطرة على خليج العقبة، ويقدمها لإسرائيل على طبق من ذهب بدون أي مقابل واضح حتى الآن سوى استمرار المساعدات الخليجية للقاهرة!
أما السؤال الأخطر فهو مدى قبولنا ـ أو حتى قدراتنا على الرفض ـ للمطالب الأمريكية، القديمة ـ الجديدة، التي تصب في صالح إسرائيل، بضرورة تغيير عقيدة الجيش المصري، وطرق تسليحه وأساليب تدريباته ومناوراته، لتوجه كلها لمحاربة الإرهاب، وليس للتصدي للأطماع الإسرائيلية وخططها العدوانية للتوسع في الأراضي العربية، والهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية على الإقليم كله.

ما تخطط له إسرائيل الآن بمباركة واشنطن لمستقبل المنطقة، أخطر من اتفاقيات سايكس بيكو، التي قسمت بمقتضاها فرنسا وبريطانيا الدول العربية كمستعمرات لها. نحن الآن أمام زلزال سياسي يستهدف إعادة رسم الخريطة السياسية للإقليم، ربما يشعل اضطرابات شعبية واسعة في كل الدول العربية، ويثير فتنًا وحروبًا واسعة بين السنة والشيعة، وقد يعرّض دولًا عربية عديدة لفوضى ومجاعات، وقد تتدخل أطراف دولية أخرى بخشونة في هذا المشهد البائس للحفاظ على مصالحها، في مشهد عبثي تبدو فيه الدول العربية وكأنها تغرق في بحر من الرمال المتحركة!

أمام هذا الطوفان الذي تلوح بوادره في الأفق، علينا أن نسير عكس السياسات التي نتبعها في مصر حاليًا، بداية من اتباع روشتة صندوق النقد، مرورًا بقمع الحريات العامة، نهاية بانتهاك روح ونصوص الدستور والتوقف فورًا عن بناء دول الفرد الواحد، التى لم يعد لها مكان في عالم الأقوياء الآن!

مصر التي نريدها هي التي تقدم مبادرات لبناء نظام إقليمي يحفظ الأمن لكل دول المنطقة، وهي التي تطرح مبادرات لحل ما يسمى بالصراع السني ـ الشيعي، وهي التي تتوسط بين إيران ودول الخليج، وهي التي قبل ذلك كله تقدم نموذجًا ديموقراطيًّا للحكم، يفجر طاقات شعبها، ويظهر معدنه الصلب الأصيل.. لا أن تنتظر الفتات من هذه الطبخة الإسرائيلية الأمريكية المسمومة!