الدكتور محمد حسن عبد الله لـ«البديل»: آفتنا «مدرسة الجوائز الإلزامية»

لم أكف عن التأليف.. ولدي 4 كتب مخطوطة

قصيدة النثر قفزة في الفراغ.. والرواية النمط الأدبي الأكثر انتشارا

الشللية داء كل مؤسسات الدولة.. وحلمي النمنم يروق للنظام

يلقب بشيخ النقاد، له من المؤلفات النقدية والأدبية ما يزيد على 58، منها “الواقعية في الرواية العربية”، و”الريف في الرواية العربية”، و”الإسلامية والروحية في أدب نجيب محفوظ”، و”الحب في التراث العربي”، وغيرها، إنه الدكتور محمد حسن عبد الله، أستاذ النقد الأدبي بكلية دار العلوم بجامعة الفيوم، الذي ينادي بتغيير نظام التعليم، ويرى أننا بحاجة لثورة علمية لا سياسية، له صالونه الثقافي الذي تجاوز عمره العشرين عاما، يقيمه في آخر جمعة من كل شهر، التقت به «البديل»، وإلى نص الحوار..

حياتك الأدبية زاخرة.. ما الجديد فيها؟

أعيش الآن مرحلة التقدم في السن، وهي مساحة مسكوت عنها في حياة أي إنسان؛ وأبلغ حاليا 82 عاما، ففي هذه المرحلة هناك من يعتزل الحياة، ويرى أن ما لم ينجزه فيما مضى لن ينجزه فيما سيأتي، والبعض يجعل هذه المرحلة انتقامية، وهناك أيضا من يتجه إلى العكس؛ فيتحول لنوع من السماحة العجيبة والاندماج في روح الكون وتلبسه حالة صوفية كانت لها بوادر لم يفطن إليها، أعيش الآن هذه التجربة.

وهل توقفت عن الكتابة؟

لم أكف عن التأليف، لكن لست متلهفا على النشر، فلدي 4 كتب مخطوطة، وكتبت مسلسل أطفال إذاعي مكون من 30 حلقة، كتب بمستوى رفيع من الدقة منذ 30 عاما، كنت قد نسيته أو أهمله فترة، وتأثرت فيه بالتراث العربي، خاصة إخوان الصفا، ولم أبحث عن مخرج للعمل، وإن كنت أحب أن يظهر العمل للنور، كما أنني لا أتقدم للجوائز ولا أنافس عليها، فقد انتهى هذا الأمر منذ زمن، وإن كانت حياتي بدأت بمسابقة؛ حيث تخرجت في دار العلوم وأنا الأول على الجمهورية في القصة القصيرة، فهذا الأفق الصوفي الذي أعيشه جديد، وله سيطرة على الوجدان.

صالونك يعد نافذتك على العالم الثقافي في مصر.. كيف ترى الحركة الثقافية اليوم؟

أنا لا أتابع إبداعات الشباب بشكل كبير، لكن ما استطعت، وأرى أن البحث العلمي أولى بي من ملاحقة الشباب، فلا تعول علي رأيي لانشغالي بالأبحاث، وأرى أن الكتابة أبقى، وإذا وجدت متسعا من الوقت، أكتب بوستات على “فيس بوك” في حقل خاص يحمل عنوان “جرة عسل” على غرار كتابي “جرة قلم”، وبالمصادفة أول كلمة سمعتها عند وصولي إلى الكويت يوم 26 سبتمبر 1962 في الإذاعة الكويتية، كانت “وإليكم هذه الجرة على الربابة”، فأصبحت أكتب تحت ثلاثة عناوين للجرة؛ فما به شيء من الشجن جرة ربابة، وما يدعو للإنسانية والتفاؤل جرة عسل، والقديم جرة قلم، وحقيقة أعد هذه الحقول ضربا جديدا من كتابة السيرة الذاتية، وفي رأيي أن السيرة الذاتية إما أن تكون عملا إبداعيا مبتكرا مثل “الأيام” لطه حسين، أو تكون عملا صادقا مثل لويس عوض الذي تكلم عن أخيه المصاب بالجنون وعلاقته المحرمة بالنساء، لكن في الشرق نفتقر إلى هذه الثقافة؛ فالصراحة هنا بمثابة الفضيحة، لكنني أعتبر الصراحة الحقيقية إنجازا، وهناك من يربط بين الإبداع والصراحة في آن.

هل صالونك الثقافي امتداد للصالونات القديمة للعقاد وطه حسين؟

فليكن ما يكون، لكن من أرادني فليأتي على أرضي وفي رعايتي وعلى الرحب والسعة وله حق الضيافة.

ما رأيك في قصيدة النثر وهل هي قصيدة أم انحدار لها؟

لا داعي للقول بأنها انحدار، ونستطيع تقبلها دون أن نتعنت في استخدام مصطلح قصيدة، أولا هي بدأت في الأدب الفرنسي، لأن بعض الناس يتحدثون في هذا الأمر ولا يشيرون إليه، فإن اعتبرناها قصيدة ستكون من نمط خاص، وفي كتابي “اللغة الفنية” نلاحظ أن مصطلح قصيدة يعني لدى الغرب خاطرة شعرية، وليست قصيدة بمفهومنا لها، وعلى كل حال فهي في فرنسا تعتبر مترتبة على ما قبلها بخلافنا نحن، وهذا ما أحرص دائما على إبرازه فقد عشنا مع القصيدة العمودية فترة طويلة، ثم جاء شعر التفعلية، فهل استوفينا تجاربنا في شعر التفعيلة حتى نكون في حاجة إلى لون جديد؟ ومن ثم فأنا أرى أنها قفزة في الفراغ.

للرواية شريحة كبيرة من القراء.. ما رأيك في الرواية العربية والمصرية الآن؟

نعم الرواية أكثر انتشارا الآن وهناك نماذج قوية لكتاب الرواية في مصر وخارجها، فهناك في الكويت سائق البامبو لسعود السنعوسي، وفي مصر رواية يَزَنْ لابتهال الشايب، ورواية نماتزي لمصطفى سليمان، وهذا الرأي من خلال تتبعي البسيط للرواية كما أشرت لك، غير أن الروايات الغرائبية تستهويني كثيرا.

ما رأيك في معرض الكتاب الماضي وهل يعبر عن مصر بحضارتها؟

ستظل المحاولة دائما خاضعة للنقد وساعية للاكتمال، لكن المشكلة الأكبر في الشللية التي تعد داءً عياءً ليست في الثقافة فقط، لكن في الثقافة والسياسة والمؤسسات عموما.

وهل هذا ما حدث في معرض الكتاب؟

نعم، ولو نظرت إلى الفائزين ستجدهم فريقين، إما شرسين يخشاهم من يمنحون الجوائز أو أصدقاء لهم، وكنت قد كتبت عن جوائز الدولة قبل ذلك تحت عنوان “مدرسة الجوائز الإلزامية” فهم يمنحون الجوائز لأشخاص معينين في كل عام بشكل متواتر دون أن يضيف هذا الشخص لأفكاره شيئا، فالدكتور القط حصل على جائزة مبارك التي سميت بعد ذلك بجائزة النيل وهو على فراش الموت، فأخذ 750 ألف جنيه وأعطاهم لابنه، فما الذي أنجزه بعد جائزة الدولة؟ لا شيء.

هل إلزامية الجوائز موجودة في العالم العربي أيضا؟

نعم، والعيب في القائم على الجائزة والحكم في أغلب الأوقات، لكن كل ذلك يرجع إلى عفن العقل العربي، ونحن لا نريد فقدان الأمل، وجدير بك أن تعلم أن الله وهب كل الدول خيرات متوازية؛ فهناك من بها الذهب أو البترول أو الموقع أو القطن أو السياحة أو التاريخ، لكن العجز يأتي من العامل البشري هل سيعمل أم لا؟ فأفقر بلد به عقل ويد تعمل تراه على قمة العالم، وأغنى بلد به لصوص مثل “بلدنا” فلا أمل في تقدمه إلا إذا تغيير هذا الوضع، وأنت ترى الآن أن اللص الجديد يخشى محاسبة القديم، بل ويبرئه وكأن الشعب هو السارق لا الأنظمة.

للناقد رؤية في كل شيء.. ما رأيك في الوضع الراهن لمصر وتهجير الأقباط من سيناء؟

هنا يصدق المثل المعروف في الخليج “في فمي ماء كثير” فهناك أشياء يصعب عليا الحديث فيها لأني سأقول فيها ما لا يرضي، وهل يتكلم من في فمه ماء؟

ما رأيك فيما يقدمه الأزهر حاليا؟

ما أعيبه على الأزهر أعيبه أيضا على نظام مبارك؛ ففي كتابي “الحب في التراث العربي” قرأت طرفة عن رجل طلق زوجته، فقالت له: أتفعل هذا بعد عشرين عاما من الزواج؟ فقال لها: ما عرفت لكي ذنبا غير هذا؟ وقلت ذلك عندما تحدث البعض عن مبارك وقالوا له الكثير من الإنجازات، فيكفيه ذنبا أنه حكم 30 عاما، لأن الطفل الذي ولد منذ تولي مبارك تحرر من سيطرة والده وبيئته بعد 20 سنة، لكن الشعب المصري لم يتحرر من رؤية واحدة لمدة 30 عاما، فقد جرف فيها مبارك الفكر وقضى على أي احتمال لمنافسته في المستقبل أو أن يحل محله أحد، وهناك أوغاد يدافعون عنه في حين أنه سبب كل شيء سيئ، فقد بالغ في كبت الناس إلى أن انفجر المرجل، فالأزهر يعيش هذه الحال ونحن مازلنا نعلق عليه الأمل.

هل ترى أنه من الأفضل التعديل في الأزهر أم تنادي بزواله أيضا؟

كما قلت أنا أرى توحيد النظام فيكون النسق التعليمي كله واحد إلى المرحلة الثانوية والأزهر يبقى مثل كليات اللاهوت في الغرب، فالتعليم واحد لكن الجامعات لمن أراد ولمن له ميول دينية، ومن الكوارث الريفية أن من أراد أن يخدم أقاربه يفتتح لهم معهدًا دينيًا، والأجدر به أن يفتتح مدرسة أو مشغلا، أو مستوصفا فنحن بلد مريض.

هل ترى أننا في حاجة إلى ثورة سياسية أم ثورة علمية؟

نحن في حاجة إلى ثورة علمية، فهي أرقى وأفضل من السياسية بل وتوصل إليها، لكن المشكلة هل لدينا تراتب علمي يوصلك لعلماء أم لديك خرافات وفتاوى بلا علم وعمل؟

ما رأيك في وزير الثقافة حلمي النمنم؟

من المثقفين عند الدولة فقط؛ لمؤلفاته ومهاجمته الإخوان وسبهم، وتلاحظ أن التغييرات الماضية لم تطله؛ لأن المنهج الذي يتبعه يروق للنظام.