التفلسف.. الفريضة الغائبة

مازال الاعتقاد السائد بأنَّ التفلسف رفاهية عقلية تأباها متطلبات الواقع، وترفضها ضغوط الحياة بإيقاعها المتسارع- فاعلا بفداحة في مضاعفة الآثار المدمرة لتأزمات الراهن المُفْضَى به إلى وضعية عصيَّة على الخروج من جملة من الترديات هائلة.
إنَّ واقعنا في غيبة التفلسف قد صار مرتهنا عند حدود اللامعقول، حوادثه على شناعتها تمر عبر أسهل الطرق إلى النسيان، مخلِّفة مزيدا من العواقب والآثار التي تزيد الأمور صعوبة وتصل بنا إلى القنوط التام.

هذا المرور الميسور للوقائع التي لا تجد رغبة حقيقية في قبضها بقصد تفهمها واستنطاقها وفحص معضلاتها- إنَّما هو محصلة غياب تلك الروح الباعثة على التفلسف في مجتمعاتنا بفعل عوامل عدة أهمها اتصالها الوثيق بالخبرة العقلية التي هي بالأساس الجزء الأهم في عملية تشكيل الواقع بوصفه مادة خاضعة ومنضبطة، فإذا تنحَّت الخبرة العقلية عن دورها هذا، فإنَّ نشوء الواقع يصير على نحو من التشوه، ومن ثّمَّ يصبح مضادا ومؤهلا للتراجع دون توازن، وكلما طال وقت ذلك الانفلات، تمددت تلك البواعث وصارت إلى فوضى مكتملة تؤذن بانهيار كل شيء.

الخضوع للتضليل يثير العداء نحو التفلسف

إن معاداة التفلسف في أي مجتمع لا تعني سوى الاستسلام التام للتضليل، والارتياح للقبول بالحواس لكل ما هو انطباعي ومباشر، وهذا يعني أيضا أن يستسلم العقل، وينتهي عن التفكير؛ فتكف الحركة نحو التقدم ويسود الجمود –ظاهريا- بينما تعتمل في المجتمع عوامل الفناء التي تنداح بضراوة لتغطي كل مساحة تنحسر عنها قدرات التجدد والمواكبة، وكل ذلك لا يحدث بمعزل عن الاستهداف؛ لكنه في مراحله التالية يكون قد اكتسب قدرة خاصة على التدهور السريع وهذا مما لا يحتاج إلى دليل عليه.

إنَّ ذلك الجمود ما يلبث أن يصبح سياجا منيعا ضد كل محاولة للتفكير بوصفها مخاطرة بل فعلا مؤثما يستهدف الثوابت ويناوش المستقرات ويزعزع يقين العامة، والحقيقة أنَّ التفكير المتفلسف هو سبيل مواجهة كل مصادر التسكين الآخذة بخناق المجتمعات كالنزعة الدينية والشعور الوطني والحماسة القومية ونحوها، بوصفها عوائق مرهقة لكل محاولة جادة لتفهم الحاضر أو استقرائه، مما يجعلنا أقرب إلى غمط ذواتنا، وطمس كل تفرد فينا انحيازا لثقافة المجموع وقبولا لمجتمع القطيع.

تحالف القوى ضد التفلسف لكونه كاشفا وواهبا للمعنى

وبحسبان التفلسف تلمسا لطريق الفلاسفة تحققا كان أو تكلفا؛ فإنَّه يبقى فعل مناوشة ومشاغبة ومثاورة للسائد الراكد بانحيازاته الضيقة وخياراته المتكلسة؛ وهذا مما يفسر تحالف عديد من القوى على ما بينها من تباينات ضد التفلسف بوصفه دعوة إلى التأمل والكشف عن المعاني، أو بوصفه فعلا يهب الأفعال المجردة معانيها حسب “لاكروا”.

ويذهب “ديكارت” إلى أن حضارة الأمم وثقافتها إنَّما تقاس بمقدار شيوع التفلسف الصحيح فيها، ونحن نفهم صحة التفلسف تلك في إطار المنهجية غير الموجهة وغير المنصاعة التي لا تنزع نحو التبرير، ولا تتبنى رؤى تسكينية خاضعة لأدوات التضليل السلطوي المشار إليها آنفا.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ فعل التفلسف لا يجب أن يكون قاصرا على المشتغلين بالحقل الفلسفي، بل من المتوجب أن يجتذب إليه غالبية أفراد المجتمع من كل المستويات، ليس بوصفه معرفة صِرفة تتباين قدرة الحصول عليها بتابين الطبقة أومستوى التعليم، بل بوصفه نهجا يتأداه الإنسان يوميا في ممارساته الحياتية؛ ليكون عامله على حفظ حقه، وطريقه المؤدية إلى إدراك كمالاته الإنسانية، وهو في ذلك كمن يجيد إصلاح ما يلزم إصلاحه في منزله دون الحاجة في كل وقت إلى مختص.

إن بعث التفلسف في النفوس من شأنه أن يغير كثيرا من أشكال العلاقات بين الناس في مجتمع أشرفت علاقاته على التفسخ، ولن يثمر هذا البعث شيئا ذا قيمة إلا إذا عملنا على بثه في نفوس الصغار بتحريضهم على الإبداع وكسر الحواجز أمام التفكير الخلاق، والابتعاد عن التلقين، وآثاره المدمرة للنفس الإنسانية؛ إذ أنه ينمّط الأجيال ويجعلها مصابة برهاب التمايز عن المجموع، ولا يدرك هذا المرمى العظيم من فتح الآفاق للعقول إلا بإتاحة الفرص لامتلاك الأدوات الضرورية للتعامل مع النصوص على اختلافها، دون إلزام بشرح أو بشروح سالفة بحسبانها لا تحتكر الحقيقة، وبوصفها بنت ظروفها الزمكانية، كذلك كسر تلك الهالة من القداسة التي تحيط بالماضي ورجاله لتضفي عليهم عصمة في الرأي، وحتى لو تضادت الآراء سنجد من يدعونا للسكوت بموجبات تلك القداسة المدعاة.

درء التباين المتوهم بين الفلسفة والتفلسف

إننا إذ نرى تلك الأهمية الكبيرة للتفلسف لا نقف كثيرا عند الفرق بينه وبين الفلسفة بوصفها مطلوبا لغير موجود بحسب “كانط” الذي يرى أنَّ التفلسف يقود الى الفلسفة وليس العكس. وخلاصة فكرته أننا لا يمكن وبأي حال من الأحوال “أن نتعلم أي فلسفة من الفلسفات، إذ أين هي؟ ومن يمتلكها؟ وكيف نتعرف عليها؟ لا يمكن أن نتعلم سوى التفلسف”. ووفقا لهذه النظرة التي ترفض إمكانية تداول المعرفة الفلسفية الجاهزة؛ “فإنَّ مناهج التعليم يجب أن تركز على قضايا تساعد على تنشيط العقل وتنمية قدرته على التفكير الذاتي لاستنباط فلسفته”.

ولا يتعارض ذلك مطلقا مع دراسة الفلسفات وتاريخها، بل إنَّ ذلك هو سبيل التفلسف الصحيح، لكن التفلسف ذاته لا يتأتى إلا بالخروج من ذلك كله إلى النظر المعمق للواقع والإلمام بخصائصه، واستكناه غوامضه في ضوء ما له من خصوصية، ومن ثم تحريره من كل زيف لحق به طوال تلك الفترة من غيبة الباعث، بل وتشويه الفعل ذاته كونه ترفا لا يباليه إلا ذوي الفدرة العقلية النازعة نحو تمحيص كل شيء دون فائدة منظورة ترجى.

الخلاصة.. نحن في حاجة ماسة إلى التفلسف بل إن مشكلتنا الكبرى تكمن في معاداة التفلسف، فكيف لواقع صار آليا تماما في إنتاج تأزماته ألا يعترف بحاجته الماسة إلى ذلك الفعل الكاشف لعوامل الإفناء الناجز بداخله.. إنَّه سبيل إن لم نسع إلى تلمسه الآن سيكون خيارنا الوحيد أن نخرج كلية إلى عالم منعزل يقبل بتراجعنا المتواصل، أو سنجد أنفسنا في يوم من الأيام محل دراسة بوصفنا جماعات منقرضة استسلمت للفناء دون مقاومة تذكر.