التدخل الخارجي يشعل معادلة الشمال السوري

في سباقات عسكرية ميدانية محمومة يموج بها الوضع في سوريا، تتنافس العديد من الأطراف هناك للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب، وتبدو خريطة مناطق السيطرة والنفوذ متشابكة إلى حد كبير بما قد يساعد على إدراك أسباب استمرار تعقُد الأوضاع هناك، رغم توالي المحطات الحاسمة في الصراع، والتي أوحت كل منها باقتراب حسمه والوصول إلى حل له سواء عسكريا أو سياسيا، بدئا من الهجوم المضاد الاستراتيجي الكبير الذي شنه الجيش العربي السوري وحلفاؤه على الأرض في عام 2013، ومرورا بنشأة تنظيم داعش واجتياحه للأراضي السورية وتحرير الدولة السورية للمساحة الأكبر من عدة محافظات على حساب ما يُطلق عليها “فصائل المعارضة المعتدلة” ثم التدخل الروسي الحاسم، وانتهاءً بتحرير حلب من يد تلك الفصائل من يد داعش للمرة الثانية.

على أي حال، فقد شهد العام الحالي منذ بدايته تغيرات حادة لخريطة السيطرة مع ازدياد قوة بعض التشكيلات العسكرية التي أنشئَت حديثا في مراحل لاحقة من الصراع، ومع تحقيق الدولة السورية لنجاحات بارزة مثّلت حصاد خطتها الاستراتيجية المستمرة في تحقيقها منذ سنوات، يجدر الالتفات إلى المواقف الحالية لطرفين من أطراف الصراع في تلك المرحلة.

سوريا الديموقراطية

اكتمل هيكل قوات سوريا الديمقراطية في أواخر عام 2015 وتم إنشاؤها بدعم وتسليح أمريكيين معلَنَيْن، وتتخذ من محافظة الحسكة السورية المسيطر عليها بالكامل من قبل الأكراد مقرا لقيادتها، وتُعد وحدات حماية الشعب الكردي المكوّن الرئيسي فيها، وإلى جانبها العديد من القوى الكردية المسلحة الأصغر، بالإضافة إلى مجموعات عربية وتركمانية، أي أنها تضم طيفا واسعا من الكيانات والمقاتلين بشكل يجعلها أقرب إلى كيان جبهوي يمثل الأكراد عسكريا، ويمثل هذا الكيان سياسيا ما يُطلق عليه “المجلس السوري الديموقراطي”.

 خلال المحطة الحالية من الصراع، تقوم قوات سوريا الديمقراطية بالتقدم بثبات في منطقة الريف الشرقي لمحافظة الرقة لضرب حصار حول تواجد داعش فيها مع مساعدات أمريكية أعلِن عنها رسميا في هذا الإطار، وشملت أفرادا من مشاة البحرية وأسلحة نوعية، كما تخوض معارك طاحنة مع طرف آخر هو “قوات دراع الفرات” المدعومة تركيا بعد تصريح الرئيس التركي في الثامن والعشرين من فبراير الماضي بأن الأخيرة ستمضي إلى مدينة منبج شرق حلب بعد الانتهاء من السيطرة على مدينة الباب ذات الأهمية الاستراتيجية.

وحتى هذه اللحظة، تتصاعد الاشتباكات بين الطرفين في محيط منبج التي تسيطر عليها قوات سوريا الديموقراطية بعد طردها لداعش منها، وسط تهديدات تركية بزيادة حدة الضربات للمدينة حال عدم انسحاب وحدات حماية الشعب الكردي منها، فالأخيرة، كما تمثل المكوّن الغالب والقيادي لكيان قوات سوريا الديموقراطية، تُعَد أيضا الذراع العسكري لحزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا كيانا إرهابيا، ويمثل وجود ذراع عسكري له على حدودها الجنوبية تهديدا كبيرا لأمنها القومي.

 ومن هنا بدأت تركيا، في أول الأمر، ما أطلِق عليه “عملية درع الفرات” التي كان أول أهدافها كبح التمدد الكردي الذي اتسع على حساب انسحابات داعش المتوالية ودفْع الأكراد بعيدا نحو الضفة الشرقية لنهر الفرات لإنهاء تواجدهم في قطاع حساس من الحدود التركية، رغم انخراط وحدات من الجيش التركي – اعتبرتها الدولة السورية قوة احتلال – في العمليات السابق ذكرها، ورغم العمل المتواصل لسلاح الطيران التركي خلال ذلك، فإن من تمثل الجانب التركي على الأرض بشكل حركي أكبر هي  قوات درع الفرات التي جاءت تسميتها من العملية العسكرية التركية نفسها.

درع الفرات

اُطلقت هذه التسمية على عدد من الفصائل الإرهابية المسلحة المنخرطة في الصراع السوري، وأبرزها مجموعات متفرقة تنتمي إلى  الجيش السوري الحر – كالفرقة 13 ولواء السلطان مراد – والجبهة الشامية وفيلق الشام ولواء السلطان مراد ولواء صلاح الدين والفرقة 13 وغيرهم، وتنخرط هذه الفصائل مع القوى العسكرية الرسمية التركية في تنفيذ عملية درع الفرات التي أعلن الجيش التركي عنها في أغسطس من عام 2016، والتي نجحت حتى الآن في طرد داعش من أغلب الخط الحدودي مع تركيا، خلال انعطافة سياسية كبيرة اتخذتها الإدارة التركية وشملت البدء في مواجهة داعش ومن بعدها مواجهة القوى الكردية، وكانت آخر نجاحاتها طرد داعش من مدينة الباب، الذي تلاه فرار عناصره نحو الرقة معقل التنظيم وإقامة قاعدة عسكرية تركية في الباب.

بشكل عام تطمح عملية درع الفرات وقواها إلى إقامة منطقة عازلة يبلغ طولها حوالي 70 كيلو مترا وعرضها 10 كيلومترات على الحدود التركية السورية، ولاسيما أن السيطرة على مدينة الباب سيسمح للقوات الرديفة للجيش التركي باستخدامها كمرتكز عملياتي كبير يتلقى الإمدادات من الشمال حيث الحدود التركية الجنوبية، ويسهم في المزيد من الحركية والمرونة لتلك القوات، وسيسمح للجيش التركي بإقامة نقطة استطلاع دائمة وفائقة الأهمية تمكنه من تحريك قواته الرديفة وفقا لاستراتيجية العملية التي تشمل القضاء بقدر الإمكان على تواجد قوات سوريا الديموقراطية في المنطقة الحدودية.