البرلمان البريطاني يمهد الطريق للخروج من الاتحاد الأوروبي

منح البرلمان البريطاني، أمس الاثنين، موافقته النهائية على قانون يمهد الطريق أمام الحكومة لبدء عملية مغادرة الاتحاد الأوروبي، عن طريق تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، والتي تحدد على أرض الواقع عملية الانسحاب من الاتحاد الأوروبي.

آلية إقرار البريكست

كان مجلس اللوردات قد تراجع عن محاولاته لإدخال تعديلات على مشروع القانون والمتمثلة في ضمان حقوق مواطني الاتحاد الأوروبي المقيمين في بريطانيا، وحق البرلمان في إقرار أي اتفاق يتم التوصل إليه مع الاتحاد الأوروبي، حيث رفض النواب التعديل الأول لمجلس اللوردات بغالبية 335 صوتا مقابل 287 والذي يهدف إلى حماية 3 ملايين أوروبي يعيشون في المملكة المتحدة، كما رفضوا التعديل الثاني أيضًا، وبهذا يكون مجلس اللوردات قد أعطى هو الآخر موافقته النهائية على القانون نفسه، وبمجرد مصادقة ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، على قانون البريكست، فسيتعين على رئيسة الحكومة البريطانية، تيريزا ماي، إبلاغ بروكسل أن لندن خرجت من الاتحاد الأوروبي.

كل المؤشرات تدل على أن تفعيل المادة 50 يمكن أن يكون قبل نهاية الشهر الجاري، لكن القرار النهائي بيد تيريزا ماي.

وبهذه الموافقة سيكون أمام الحكومة البريطانية مهمة شاقة في المفاوضات مع الاتحاد، وعن أهمية هذه المفاوضات، قال ديفيد ديفيس، الوزير البريطاني المكلف بملف الخروج من الاتحاد الأوروبي، إن بلاده الآن على أعتاب أهم مفاوضات لجيل كامل.

الملفات الشائكة

عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ليست بالمهمة السهلة، خاصةً بعد أن باتت عملية تفعيل المادة 50 بحكم المنجزة، لأنها حصلت على موافقة مجلسي العموم واللوردات في البرلمان البريطاني، وتستغرق عملية الخروج مباحثات تفاوضية لمدة لا تقل عن عامين، إذ إن هناك ملفات كثيرة عالقة بين الجانبين الأوروبي والبريطاني يجب أن تدرس بدقة، ويجب أن يتم التوصل إلى تفاهمات حول التخلي عن قوانين الاتحاد الأوروبي، وإيجاد صيغة جديدة للتعاون، وبالتالي ستكون خطوة معقدة جدًا لأنها تشمل 40 سنة من العلاقات البريطانية والاتحاد الأوروبي.

وهناك مجموعة من الملفات الصعبة، لكن هناك ملفين أساسيين يمكن أن يعرقلا صيغة التوصل إلى تفاهم بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي، الملف الأول هو كيف ستكون العلاقة بين لندن وبروكسل على المستوى التجاري، أي عضوية السوق الأوروبية المشتركة، والاتحاد الجمركي، فالجانبان يريدان الوصول إلى صيغة تفاهم حول هذا الموضوع، وهنا العقدة الكبيرة في المفاوضات، لأن الاتحاد الأوروبي يمكن أن يتشدد في منح بريطانيا عضوية كاملة أو عضوية بشروط جيدة في السوق الموحدة، لأن بقاء بريطانيا بشروط تفضيلية في السوق الأوروبية سيجعلها مستفيدة من الاتحاد الأوروبي دون أن يكون عليها أي التزامات مادية لهذا الاتحاد، وهذا ما ترفضه الدول الأوروبية.

الملف الثاني هو مصير المواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا، ومصير البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي، هذه المسالة أساسية لأن أزمة الهجرة كانت رئيسيًا في عملية الاستفتاء التي أدت إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

كما أن هناك ملفات تخص الداخل البريطاني وعلى لندن أخذها بعين الاعتبار، فحكومة اسكتلندا كانت قد أعلنت عن خططها لإجراء استفتاء جديد للاستقلال عن المملكة المتحدة، كما أن إيرلندا الشمالية تسير هي الأخرى على خطى اسكتلندا، وهو الأمر الذي قد يقلل من سلاسة عملية الخروج البريطاني من الاتحاد، حيث أكدت زعيمة الحزب القومي الاسكتلندي نيكولا ستيرجن، أنها ستطلب رسميا الإذن بإجراء استفتاء ثان بشأن استقلال اسكتلندا عن بريطانيا لـ”حماية مصالح اسكتلندا وبخاصة مع تصويت البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي”، وقالت ستيرجن إنها تريد إجراء الاستقلال في الفترة ما بين خريف 2018 وربيع 2019.

تداعيات الخروج البريطاني

ليست بريطانيا وحدها من لديها مخاوف من خروجها من الاتحاد الأوروبي، فالاتحاد الأوروبي نفسه لديه الكثير من المخاوف ولعلَّ أبرزها ما يهدد بقاءه ككيان أوروبي متماسك، فبريطانيا تعد حاليًا روشتة لكل دولة أوروبية تراود نفسها في الانسحاب، وهو الأمر الذي له معطيات على أرض الواقع، فالمرشحة للرئاسة الفرنسية، مارين لوبان، عرضت خطة لخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي، وتحت شعار “فرنسا حرة”، تضمن برنامجها الانتخابي “استعادة السيادة” من خلال فك الارتباط مع منطقة اليورو، وهو ما سيستدعي -في حال تم- استئناف العمل بالعملة الوطنية الفرنسية، وتدعو الوثيقة إلى التفاوض مع الشركاء الأوروبيين بشأن الخروج من منطقة اليورو، ولاحقا تنظيم استفتاء على خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي.

إيطاليا هي الأخرى تلوح بالانسحاب، فهذا البلد الذي تزيد نسبة البطالة فيه عن 35% لمن هم دون سن الـ25 عاما، سيكون مهددا بتداعيات مالية ومصرفية ستدفعه لمصير ربما يكون مشابها لما جرى للمملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي.

وحاول رئيس الوزراء الإيطالي المستقيل ماتيو رينتسي، من جانبه، السعي لتقديم مساعدات حكومية إلى المصارف الإيطالية، إلا أن قواعد الاتحاد المصرفي الأوروبي تحظر ذلك.

وقد سعى رينتسي، للاستفادة من حالة عدم الاستقرار في أوروبا التي ولدها خروج بريطانيا، لإقناع سلطات الاتحاد الأوروبي بتعليق الحظر المفروض على المساعدات الحكومية للمصارف الإيطالية، إلا أن إعفاء إيطاليا من القواعد قوبل بالرفض.

تداعيات انهيار الاتحاد الأوروبي، أشارت إليه صحيفة “ديلي ميل” البريطانية، بالقول “إن الخروج البريطاني سيظل يهدد بمزيد من التخلي عن الاتحاد الأوروبي”.